روسيا تؤمن نفسها في ليبيا

نيل هاور

AFP Photo: Russian Foreign Ministry

يبدو أن بعض الدول تستغرق وقتًا أطول من غيرها لتدرك الواقع الذي تعيشه. وبخصوص الطموحات الروسية في ليبيا، يبدو أخيرًا أن خطورة الوضع على الأرض باتت أمرًا واضحًا.

وعلى مدى العامين الماضيين، كانت موسكو تستثمر في ليبيا أكثر من أي وقت مضى، ولاسيما في أحد الأطراف المتحاربة. وكان الجنرال خليفة حفتر، القائد العسكري المحتمل للبلاد، قد لفت الانتباه لأول مرة إلى أنه رجل الكرملين المفضل عندما زار العاصمة الروسية مرتين في عام 2016، حيث طلب مساعدة موسكو في “محاربة الإرهابيين الإسلاميين”، في محاولة لإضافة داعم آخر أجنبي لتحالفه المزدهر والذي ضم بالفعل الإمارات ومصر.

وفي تلك المرحلة، كانت روسيا تركز أكثر على الحرب الدائرة في سوريا، لكن الانتصارات الحاسمة لقوات النظام المدعومة من الكرملين هناك مكنت موسكو من التوسع في أحلامها. وفي مارس/آذار 2019، ظهرت أول تقارير تتحدث عن وجود مرتزقة فاجنر الروس في ليبيا، ولعب هؤلاء الروس هذا الدور الرئيسي في سوريا. وفي وقت لاحق من ذلك العام، كان مرتزقة فاجنر يقاتلون على الجبهات، ويوفرون الدعم الاحترافي المطلوب بشدة لتقوية ميليشيات حفتر في هجومه على العاصمة طرابلس الخاضعة لسيطرة منافستها حكومة الوفاق الوطني.

ومع ذلك، لم يكن المرتزقة الروس وحدهم كافيين لمنح حفتر ميزة حاسمة. ومع توقف الهجوم على العاصمة، وردت أخبار تؤكد سقوط العشرات من ضحايا فاجنر، دون إحراز أي تقدم يذكر منذ شهور.

وكان الفشل مصير المحاولات الروسية لتجنيد مقاتلين سوريين سابقين لتعزيز قدرات الجيش الوطني الليبي البائس، حيث تخلى عدد كبير من هؤلاء المجندون عن فكرة القتال قبل الوصول إلى الخطوط الأمامية. ووفقًا لبعض الأدلة على وسائل التواصل الاجتماعي، هناك أيضًا مؤشرات على احتمال مشاركة جنود من منطقة الشيشان الروسية.

وفي غضون ذلك، بدأت تركيا، الداعم العسكري الأجنبي الرئيسي لحكومة الوفاق الوطني، في شن حملة بطائرات مُسيّرة على أهداف الجيش الوطني الليبي. وبحلول منتصف عام 2020، انسحبت قوات الجيش الوطني الليبي بالكامل، تاركة الجانبين في الشرق والغرب في ليبيا أكثر انقسامًا من أي وقت مضى.

وعلى الرغم من الجمود العام المستمر منذ سنوات، وتراجع عوائد الدعم العسكري بشكل متزايد، يبدو أن ثمة وجهة نظر كانت راسخة لدى موسكو حول احتمالية انتصار حفتر حتى أتى الربيع. وفي أفضل مواسم السنة، واصلت روسيا استثمار المزيد من الموارد في حملة حفتر، ويبدو أنها نأت عن الاستمرار في ذلك بسبب عجز ميليشيات حفتر غير المدربة عن طرد أعدائها.

ولولا الحملة الجوية التركية في أبريل ومايو، ما تخلت موسكو أخيرًا عن تلك الجهود، رغم الإذلال الذي تعرضت له – فقد دمرت طائرات تركية مُسيّرة العديد من أنظمة الدفاع الجوي الصاروخي الروسية بانتسير-إس1، والتي ربما كانت تحت إمرة أطقم روسية.

ومنذ ذلك الحين، اتسمت روسيا بالحذر، وتفهمت أن وقف الأعمال العدائية، على الأقل مؤقتًا، كان حتميًا. وفي 20 أغسطس /آب، وفي اتصال هاتفي مع وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو”، وضع كبير الدبلوماسيين الروس، سيرغي لافروف، كل الشكوك جانباً، وأكد على التزام موسكو بوقف إطلاق النار في البلاد، وعلى دعمه للمفاوضات الدستورية في جنيف بين حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي.

وبعد أن فشلت روسيا في تمكين حليفها من النصر في ساحة المعركة، بات السؤال المطروح هو ماهية المسار الذي تسلكه روسيا في البلاد. إن المسار الأكثر احتمالاً هو الجلوس وانتظار تطورات الوضع السياسي والدولي، حيث احتفظت موسكو بعلاقاتها مع كلا اللاعبين الرئيسيين في ليبيا، على الرغم من تفضيلها الواضح لأحد الجانبين.

وكما أوضحت “ماريانا بيلينكايا”، محللة مؤسسة كارينجي للسلام الدولي في موسكو، في مقال لها مؤخرًا، أن هناك تقسيم للعمل في هذا الصدد بين وزارات الحكومة الروسية المختلفة. وفي حين أن وزارة الدفاع، وهي المؤسسة الأكثر فاعلية في السياسة الخارجية الروسية في كثير من النواحي، كانت جهة الاتصال الأساسية مع حفتر، ظلت الوزارات الاقتصادية الروسية على اتصال مع حكومة الوفاق الوطني وزعيمها فايز السراج. وفي غضون ذلك، لعبت وزارة الخارجية الروسية دورًا تفاوضيًا بين الجانبين الليبيين، كما فعلت مؤخرًا بالاشتراك مع تركيا في جنيف.

وربما تستطيع تركيا التحكم فيما قد تفعله روسيا بعد ذلك؛ حيث تولي السياسة الخارجية لأنقرة اهتمامًا متزايدًا بالشأن الليبي، ولا سيما بالنظر إلى الدور الذي تلعبه الاتفاقات البحرية مع حكومة الوفاق الوطني في الخلاف المتزايد بين تركيا واليونان بشأن المناطق الاقتصادية في البحر المتوسط. وبينما تظهر تركيا في كثير من الأحيان على أنها الشريك الأصغر لروسيا في العديد من مناطق الشرق الأوسط، فإنها تمتلك، على الأقل في الوقت الحالي، زمام المبادرة في ليبيا.

وكثرت الأقاويل في السنوات الأخيرة عن “عودة روسيا إلى الشرق الأوسط”، لكن المراقبين حاذقين لاحظوا بدقة أن الكرملين قادر فقط على الاستفادة من الفرص التي يوفرها غياب أنشطة اللاعبين الدوليين الرئيسيين الآخرين، ولا يمكنها أن تقود مسار الأحداث وحدها.

وبدون تجديد الالتزام بشكل مكثف بتقديم الدعم العسكري والسياسي للبلاد، والتي ستكون فوائده غير واضحة وغير مضمونة في أي حال، ليس أمام موسكو حاليًا أي خيار سوى المراقبة وانتظار فرصة أخرى للتأثير على الوضع في ليبيا.

 

نيل هاور، محلل أمني، ويقيم في مدينة “تبليسي”، عاصمة جورجيا. يهتم “نيل” في أعماله بالصراع السوري، ولاسيما الدور الروسي، والسياسات والأقليات في جنوب القوقاز والعنف والسياسات في شمال القوقاز، ولاسيما في دولتي الشيشان وإنجوشيا.