زيارة روحاني تجعل العراق في مرحلة ما بعد داعش مسرحاً جديداً للتنافس بين السعودية وإيران

دنيانيش كامات

APF photo: Haidar Hamdani

إن زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني مؤخرًا إلى العراق، والتي حققت منها إيران بعض المكاسب البسيطة، هي البادئة لفترة مضطربة من التنافس بين السعودية وايران داخل العراق. وفي أعقاب الزيارة، أصبحت المملكة العربية السعودية متأكدة من ضرورة القيام بتدخلات كبيرة لموازنة المكاسب الإيرانية.

واستهل روحاني زيارته إلى العراق بزيارة الأضرحة الشيعية الهامة. وكان الهدف من زيارة روحاني إلى العراق هو إظهار أنه لا يمكن لأي دولة أخرى أن تستنسخ الروابط الثقافية والدينية بين إيران والعراق. ومن المحتمل أن يكون رد المملكة العربية السعودية على هذا الأمر من خلال تنمية علاقاتها مع القبائل السنية في العراق، فضلاً عن مضاعفة جهود إعادة الإعمار في المناطق السنية. فعلى سبيل المثال، تعهدت الإمارات، وهي حليف مقرب للمملكة العربية السعودية، بإعادة بناء مسجد النوري الكبير في مدينة الموصل بعد أن تعرض للدمار في القرن الثاني عشر. وستستفيد المملكة العربية السعودية أيضًا من سيطرتها على وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية لتعزيز الروابط الثقافية بين البلدين على أساس التراث العربي المشترك بينهما.

وسعى روحاني أيضًا إلى تعميق العلاقات الاقتصادية بين إيران والعراق. ومن أهم الإنجازات الاقتصادية التي حققتها الزيارة مذكرات تفاهم حول زيادة صادرات الطاقة الإيرانية إلى العراق، وربط السكك الحديدية بين البلدين، بالإضافة إلى إلغاء رسوم التأشيرة لمواطني كل دولة اعتبارًا من الشهر المقبل. ومع ذلك ، تبقى تلك المذكرات إنجازات نظرية، حيث لا تستطيع إيران الاستثمار في مشروع السكك الحديدية، لأن اقتصادها يعاني من تأثير العقوبات الأمريكية، وهناك ضغط كبير على بغداد من الولايات المتحدة لتنويع مصادر الطاقة التي تحتاج إليها بعيدًا عن إيران، وأخيرًا، لم يكن إلغاء رسوم التأشيرات بالقدر الذي أراداته إيران في البداية، والذي كان نظامًا بدون تأشيرة.

وتستطيع المملكة العربية السعودية الاستفادة من قوتها المالية الكبيرة للتغلب على إيران في المجال الاقتصادي. ومن المحتمل أن تستثمر السعودية في المشروعات الإستراتيجية والتي من شأنها توفير فرص عمل وتحسين نوعية حياة المواطن العراقي البسيط، ومن تلك المشروعات، توليد الطاقة والتعليم والرعاية الصحية. وهناك خيارات أخرى اقتصادية يمكن للمملكة العربية السعودية أن تقدمها إلى العراق مثل إعادة فتح المعابر الحدودية بين الدولتين، مما يسهل على العراقيين الحصول على تأشيرات سعودية، وربط شبكة كهرباء العراق بشبكة الكهرباء في دول مجلس التعاون الخليجي. وكما هو متوقع، هناك وفد سعودي مكون من وزير التجارة والاستثمار زار بغداد في اليوم التالي لرحيل روحاني. وحتى تحمي المملكة العربية السعودية مشاريعها من هجمات وكلاء إيران في العراق، فمن المرجح أن تقوم المملكة العربية السعودية باستثمارات موازية في الأصول الأمنية في العراق، والتي ستكون تصعيدًا كبيرًا من وجهة نظر إيران.

وعلى الصعيد السياسي، كانت لقاءات روحاني مع النخبة السياسية في العراق مهمة لاحتوائها على زعماء القبائل السنية، مما دفع وزير الخارجية الإيراني “محمد جواد ظريف” بالتغريد قائلاً “إن جميع العراقيين أصدقاء لنا”. وكان هذا تمشياً مع هدف إيران المتمثل في إشراك أهل السنة العراقيين في حكومة موالية لإيران في بغداد، من أجل الهيمنة على العراق. وفي الواقع، هناك تقارير تفيد بأن الميليشيات الشيعية الحليفة لإيران تدمج مقاتلي داعش السابقين في صفوفهم في المناطق السنية.

وهذا يمثل خطًا أحمر مهمًا للمملكة العربية السعودية. ومن المحتمل أن ترد المملكة العربية السعودية على هذه الخطوة من خلال اختيار السياسيين الشيعة والسنة وتقديم الوعود برعايتهم والاستثمار في دوائرهم الانتخابية. وبعد مرور أكثر من عام حتى الآن، أقامت المملكة العربية السعودية علاقات جادة مع مقتدى الصدر، زعيم الطبقة العاملة الشيعية في المناطق الحضرية في العراق، وأكبر الكتل البرلمانية. وأعاد الصدر اكتشاف نفسه كرجل قومي عراقي، كما أن خطاباته تتسم بأصدائها المناهضة لإيران. وليس مصادفة ألا يلتقي الصدر بروحاني أثناء الزيارة.

وكان اجتماع روحاني مع المرجع الديني الأعلى “علي السيستاني” في النجف، بخلاف منحه رصيدًا سياسيًا للاستخدام الداخلي، يهدف إلى إظهار دعم رجال الدين في النجف للسيادة الإيرانية في العراق. ومع ذلك، أبدى “السيستاني” موافقته على دخول إيران في العراق، ولكن بشرط وهو أن تنأى إيران بنفسها عن الشؤون الداخلية للعراق وتحترم السيادة العراقية وهذا يعكس سجل عدم الارتياح بين رجال الدين في النجف وإيران؛ فلم يقتصر الأمر على رفض العراق لولاية الفقيه (نموذج الحكم الإيراني الذي يهيمن عليه رجال الدين) ، لكنه أيضًا ظل حذراً من المحاولات الإيرانية للسيطرة على عملية خلافة “السيستاني” البالغ من العمر 88 عامًا.

ومن المرجح أن تنتهز المملكة العربية السعودية حالة عدم الارتياح هذه من خلال تعزيز ارتباطها مع رجال الدين في النجف، والذين لجأ إليهم الشيعة العرب في دول الخليج عبر مر التاريخ للاسترشاد بهم. وفي الأشهر المقبلة، ستفتتح المملكة العربية السعودية قنصليتها في النجف، وتخصص عدد أكبر من الأماكن للحجاج العراقيين في موسم الحج السنوي.

وقد تعقد إيران من الجهود السعودية لإشراك الشيعة العراقيين بإذكاء الاضطرابات في المناطق التي يسيطر عليها الشيعة في المملكة العربية السعودية. ومن المحتمل أن يأتي الرد السعودي المضاد في شكل زيادة دعم المجموعات السنية المتمردة المناهضة لحكم طهران في محيط الأهواز وبلوشستان، وذلك تمشياً مع الإستراتيجية المعلنة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بخوض المعركة السعودية الإيرانية “في إيران”.

وفي سيناريو مثالي، تستطيع بغداد استخدام المنافسة بين السعودية وإيران لتعزيز مصالحها الوطنية، وفي الوقت نفسه تعزيز إعادة التقارب بين البلدين. ولكن من غير المحتمل أن يحدث هذا، لأن نظام الحكم في العراق مجزأ، كما أن حكومته الضعيفة يقودها تكنوقراط بعيد عن السياسة. وعلاوة على ذلك، يصمم كلا النظامين الإيراني والسعودي على إنهاء الطموحات الإقليمية للطرف الآخر. وفي هذا السياق، يشكل العراق صميم التنافس بين السعودية وإيران.