استرداد الكنوز الثقافية المنهوبة لا يعني أنها باتت في مأمن

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Louai Beshara

أسفرت الاحتجاجات المنطلقة مؤخرًا ضد التطرف على مستوى العالم عن إعادة إحياء جدل قديم حول ما إذا كان على المتاحف الأوروبية إعادة الآثار التي حصلت عليها القوى الاستعمارية من المستعمرات السابقة. وفي مقال نُشِر حديثًا على موقع “فورين بوليسي”، رأى الكاتب الصحفي “نسموت غباداموسي” أن هناك “عدد من المتاحف الجديدة قيد التخطيط” على مستوى قارة إفريقيا يُستهدَف منها احتضان الإرث الثقافي الذي سرقه المستعمرون. لكن الواقع يقول إن المستعمرات السابقة إذا أرادت الحفاظ على إرثها الثقافي فإن تركه في متاحف الخارج ربما يكون أكثر الخيارات أمانًا في الوقت الحالي.

يضم الشرق الأوسط بعض المعالم والرموز الحضارية الأقدم تاريخيًا، وللأسف تفتقر بعض دول المنطقة بشدة إلى استقرار الحكومات. كما انهال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، المتظاهر بكونه ممثلًا للإسلام، بمطرقة التدمير على تماثيل في الموصل بالعراق عمرها أكثر من 3.000 عام ترجع لعهد بلاد الرافدين. وفي سوريا، عمَد داعش إلى تحطيم معبد بعل شمين بمدينة تدمُر والذي يبلغ عمره ألفيْ عام؛ وهو الأمر الذي لم يفعله أي حاكم إسلامي حتى خلفاء المسلمين بعد فتحهم وحكمهم لتلك الأراضي. وقد اكتُشِف ضريح “امرؤ القيس” وهو من أول ملوك العرب الذين عرفوا قبل ظهور الإسلام، إلى جانب تماثيل أخرى لبعض الأصنام التي سبقت ظهور الإسلام مثل “اللات”، في مكان غير بعيد عن تدمُر. ولحسن الحظ تم إنقاذها قبل أن تلقى ذات مصير المعابد؛ لا لشيء إلا لأنها تقبع في متحف اللوفر بباريس.

وحتى في الدول العربية الأكثر استقرارًا مثل تونس، بات نهب الآثار مشكلة مزمنة. فمنذ العام 2011، استعادت السلطات التونسية أكثر من 25 ألف قطعة أثرية من ناهبي آثار اعتزموا بيعها في السوق العالمية ليجنوا ربحًا هائلة.

ويحتوي المتحف البريطاني في لندن على 73 ألف قطعة على الأقل وردت من منطقة جنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا. أما متحف “منتدى همبولت” في ألمانيا فيضم نحو 75 ألف قطعة، كما يضم المتحف الملكي لوسط أفريقيا المثير للجدل – ومقره بلجيكا – أكثر من 120 ألف قطعة أثرية حصل على معظمها من الكونغو البلجيكية خلال فترة حكم النظام الغاشم للملك ليوبولد الثاني.

ولا شك أن نقل الكنوز التاريخية القديمة إلى أوروبا كان أحد الصفحات السوداء في تاريخ الاستعمار؛ لكن هناك جانب مشرق من الأمر وهو أن تلك العملية أفادت في الكشف عن التاريخ والحفاظ عليه.

مصر، التي تتمتع باستقرار نسبي ومتاحفها عامرة بالفعل بالقطع الأثرية القيّمة، تريد من بريطانيا إعادة حجر رشيد، وهو الحجر الذي يُعد مفتاح تفسير اللغة المصرية الهيروغليفية. هذا الطلب مُبرَّر تمامًا؛ لكن هناك كذلك ما يبرر الحُجة القائلة بأن الحجر لو لم يُسرَق فربما بقيت اللغة الهيروغليفية لغزًا غامضًا.

ثم إن هناك مسألة شديدة التعقيد تتعلق بالملكية. فالكنوز التي تريد نيجيريا من البريطانيين إعادتها تم الاستيلاء عليها خلال عهد مملكة بنين في ذلك الزمان. كذلك تطالب اليونان منذ سنوات باستعادة منحوتات “إبجين” الرخامية من البريطانيين، حيث كان قد تم الاستيلاء على هذه المجموعة من التماثيل الرخامية القديمة من معبد “البارثينون” (معبد إغريقي يقع في مدينة أثينا) وتولى شحنها إلى لندن اللورد الأرستقراطي البريطاني “إلجين” خلال الفترة ما بين عامي 1801 و1812. وقد زعم اللورد أنه حصل على موافقة على فعلته تلك من قوة استعمارية أخرى تتمثّل في العثمانيين الأتراك الذين كانوا يحكمون اليونان في ذلك الزمن.

أيضًا ترفع المملكة العربية السعودية دعاوى ضد المستعمرين الأتراك، حيث يُقال إن خمس قطع حجرية تم كسرها من الحجر الأسود الموجود بالكعبة في مكة، وإنها موجودة حاليًا في مسجد “محمد باشا” بإسطنبول.

النزاع القائم بين اليونان والمتحف البريطاني حول منحوتات “إلجين” الرخامية دفع مديرو 40 مؤسسة – تشمل أكبر المتاحف على مستوى العالم – إلى إصدار بيان يؤكد على أنه برغم ضرورة الحكم في كل قضية على حدة “يجدر بنا أن نعترف بأن المتاحف لا تخدم مواطني أمة واحدة فحسب، بل تخدم مواطني كل أمة”.

لا ينتمي الإرث الإنساني إلى مكان واحد أو أمة واحدة، بل ينتمي إلى الإنسانية ككل، ومن واجب الإنسانية الحفاظ على هذا الإرث كي يدرسه الباحثون ويستمتع به كل إنسان. وهناك ممارسة شائعة بين المتاحف على مستوى العالم تتمثّل في إقراض المجموعات الأثرية أو إعارتها أو إرسالها “في جولات” تطوف العالم. ينبغي أن تستمر هذه الممارسة، فالقيمة التاريخية أكبر من التقيُّد بموقع جغرافي.

ولو استطاعت الدول الأصلية التي ظهرت بها تلك القطع الأثرية أن تثبت يومًا ما قدرتها على توفير موطن آمن وحماية لها، فلا ريب في أنه سيمكن حينها وسينبغي إعادة تلك الكنوز التاريخية إلى موطنها الأصلي. وحتى يحدث ذلك، من الأفضل ترك هذا الإرث الثقافي في مكانه الحالي.

 

“حسين عبد الحسين” مدير مكتب صحيفة “الراي” الكويتية اليومية في واشنطن، وزميل زائر سابقًا في معهد “تشاتام هاوس” بلندن.