تسجيل مُسرب قد يكون في صالح الإصلاحيين في إيران

فيصل اليافعي

AFP photo: Christof Stache

تتشابه السياسة الإيرانية إلى حد كبير في بعض الجوانب مع الديمقراطيات الراسخة: فهناك فصائل قوية متنافسة، وتسريبات لوسائل الإعلام الصديقة، ومقالات صحفية غامضة تهدف إلى إرسال رسائل سياسية. وما حدث من تسريب هذا الشهر لمقاطع مسيئة خلال مقابلة صوتية مع وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، قبل ثمانية أسابيع فقط من الانتخابات الرئاسية حاسمة يتوافق مع هذا النمط السياسي. وكان الهدف من هذا التسريب على الأرجح هو الإضرار بظريف والمعسكر الإصلاحي قبل الانتخابات، مع العلم أن “”ظريف” أحد الشخصيات القيادية في هذا المعسكر. ومع ذلك، قد يكون التسريب في صالح الإصلاحيين في إيران، من خلال تحذير الغرب ممن قد يتولى زمام الأمور بعد الانتخابات.

ويقدم التسجيل لمحة واضحة على ما يبدو عن مدى قوة الحرس الثوري الإيراني، وبالأخص، قائده السابق القوي قاسم سليماني، والذي قتلته أمريكا العام الماضي بطائرة مسيرة. ويشير التسجيل الصوتي إلى أن سليماني، حتى وفاته، كان يتمتع بسلطة سياسية غير عادية، حيث أطاح بمسؤولين حكوميين مثل ظريف.

وربما يكون التأكيد بالغ الضرر الذي جاء على لسان “ظريف” هو أن إيران لم تتخلى مطلقًا عن العمليات العسكرية من أجل الدبلوماسية، ولكن العكس حدث في مناسبات عديدة. وبعبارة أخرى، كان الحرس الثوري الإيراني يفعل دومًا ما يريد وإن تعارض ذلك مع أهداف الحكومة.

وكان التسجيل المسرب جزءًا من مقابلة مدتها ثلاث ساعات مع صحفي إيراني، لذلك من الممكن التعرف علي السياق الكامل لتلك التعليقات بالاستماع إلى المقابلة كاملة. ولكن التلميح في المقابلة بأن ظريف، وبالتالي، جزء كبير من الحكومة الإيرانية يفتقرون إلى أي سلطة رسمية، قد يضعف حماس الناخبين المتحمسين للتغيير، والذين يشعرون بالإرهاق بعد سنوات من الصراع في ظل إدارة ترامب. كما أن انتقاد “ظريف” لسليماني يشكل ضررًا خاصًا على الناخبين المحافظين، ذلك أن الجنرال السابق، وعلى مدار عام من مقتله، قد اكتسب مكانة شبه أسطورية في البلاد. وبالنظر إلى تلك الأمور مجتمعة، نجد أن التسرب يضر بحركة الإصلاح.

وحدثت التلميحات، والتي يعتقد فصيل الإصلاح أن الهدف منها الإضرار به، عندما أمر الرئيس حسن روحاني بفتح تحقيقٍ في أمر ما. وفي بيان فظ على غير العادة، وصف متحدث باسم الحكومة هذا التسريب بأنه “مؤامرة ضد الحكومة”.

ومع ذلك، من المحتمل أيضًا أن يكون التسرب في صالح الإصلاحيين في إيرانيين الذين لم يستقروا بعد على مرشح لمواصلة عمل الرئيس رغم أن الانتخابات الرئاسية بعد شهرين. ومكث “روحاني” في السلطة لفترتين، وهو غير مؤهل للترشح مرة أخرى، ولكن حزبه السياسي لم يُعلن بعد مرشحهم المحتمل.

وقد يكون تسريب ظريف تذكيرًا للقوى الغربية بأن المعتدلين من المرجح أن يخسروا الانتخابات، وهي أفضل فرصة لإحياء اتفاق نووي وأربع سنوات من الهدوء. وتلك رسالة بالغة القوة للبيت الأبيض الذي يبدو عازمًا على الحكم بحذر من خلال الانسحاب من أفغانستان، وإقامة قمة لتقليل التوترات مع روسيا.

إن كل ما تملكه القوى الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، للتأثير على نتيجة الانتخابات هي العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، والذي من شأنه أن يدعم الإصلاحيين في صناديق الاقتراع. ولكن الوقت محدود: حيث اجتمع المفاوضون في فيينا لمناقشة العودة إلى الاتفاق النووي، ورغم ذلك، يجب الاتفاق على شيء جوهري خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة وتظهر نتائجه في صناديق الاقتراع.

ولكن العقبات كثيرة في إيران والولايات المتحدة الأمريكية. ففي أمريكا، يُستخدم هذا التسجيل المُسرب لمهاجمة فريق جو بايدن.

ويدعي “ظريف” أن جون كيري، المبعوث الخاص الحالي لبايدن للمناخ، ووزير الخارجية السابق في عهد باراك أوباما، أخبره أن إسرائيل هاجمت المصالح الإيرانية في سوريا 200 مرة على الأقل. ويريد “ظريف” من هذا الإدعاء إثبات أنه في بعض الأحيان كان لا يعلم بما يحدث داخل الحكومة.

ولكن خصوم بايدن استخدموا التسريب كسلاح للقول بأن كيري كشف معلومات حساسة لإيران حول العمليات العسكرية لحليف. ونفى كيري صراحة مناقشة العمليات السرية، واصفا الادعاءات بأنها “محض افتراء”. وتكشف مسألة التسريب عن مدى إصرار البعض في الحزب الجمهوري الأمريكي على منع العودة إلى الاتفاق النووي.

وإذا اعتقدت القوى الغربية أن بإمكانها دعم الإصلاحيين، فعليها أن تفعل شيئًا ما قريبًا.

ومع ذلك، هناك أمرٌ آخر يمكن استنتاجه من التسجيل المسرب، وهو الأمر الذي سيستنتجه بسهولة خصوم إيران في المنطقة – مثل مصر ودول الخليج وإسرائيل. ولا يعني ذلك أن في صراع ظريف مع الحرس الثوري الإيراني إشارة إلى أن فصيل الإصلاح بحاجة إلى المساعدة قبل انتخابات يونيو/حزيران، بل إثبات أن النظام السياسي للجمهورية الإسلامية لديه في النهاية فصيل قوي واحد فقط.

وإذا ما نظرنا إلى التسريب بهذه الطريقة، فتلك إشارة إلى أن أهداف إيران ستبقى كما هي، بغض النظر عن وجود اتفاق نووي أو رئيس إصلاحي أو وزير خارجية متهور من عدمه. ويقول ظريف، إن من يحكم في الجمهورية الإسلامية هم المرشحون العسكريون – ولن تغير صناديق الاقتراع هذا الأمر. وبهذا، فإن التسجيل المسرب الذي يقدم لمحة عن فصيلين متناحرين، يؤكد أيضًا على أن الدولة عبارة عن عملة معدنية ذات وجهين متطابقين. فعلى أي جهة تكون العملة، سيظهر فيلق الحرس الثوري الإيراني.

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كاتبًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.