العنصرية لم تعد سرًا: والتحول الإسرائيلي نحو اليمين قد اكتمل

جوزيف دانا

AFP photo/Gali Tibbon

ما مدى قوة المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي؟ من المؤكد أنها شهادة على براعة اليمين المتطرف والذي نجح في نشر المجمعات السكنية على أراضي الضفة الغربية، ورغم ذلك، لم يتباهي اليمين المتطرف يومًا بقوته. وحتى الآن، فان قيام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتشكيل ائتلافا جديدًا مع واحدة من أكثر الأحزاب اليمينية تطرفا في تاريخ الصهيونية، يشير إلى اتفاقية كبرى بشأن طوبوغرافيا السياسة الإسرائيلية.

عندما كنت أعمل في الضفة الغربية على مدار ست سنوات وحتى العام 2012، كنت أزور مستوطنات الضفة الغربية بانتظام. وفي العام 2011، وفي إحدى الزيارات إلى موقع استيطاني يسمى “”هيلتوب 26″، خارج مدينة الخليل، بدأت مجموعة من المستوطنين بإلقاء الحجارة على المتظاهرين الفلسطينيين العزل الذين أجبروا على ترك أراضيهم. وبينما كان الجنود المسلحون يراقبون الوضع، كان المستوطنون يصرخون بشعارات عنصرية ضد الفلسطينيين، وهددوا عائلاتهم بالطرد، وهاجموهم بالحجارة والألواح الخشبية. وكان زعيمهم هو “ايتمار بن جبير”، وهو أحد أعمدة حركة المستوطنين اليمينية المتطرفة.

واليوم، وبعيدًا عن تلال الخليل ذات الرياح العاصفة، قد يجد “جبير” نفسه في البرلمان الإسرائيلي كجزء من المحاولة الأخيرة التي يقودها نتنياهو للتشبث بالسلطة.

بن جبير وحزبه السياسي، أو “عوتسما يهوديت” (عظمة يهودية) ، هم الورثة الأيديولوجيون لحركة كاهانا. وكان “مائير كاهانا”، وهو مستوطن إسرائيلي مولود في الولايات المتحدة الأمريكية، قد أسس في أوائل ثمانيات القرن الماضي حزب “كاخ” ذي التوجه العنصري الواضح. وخدم “كاهانا” لفترة واحدة في البرلمان قبل أن تصنف الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى حزبه “مجموعة إرهابية”. وتم اغتيال كاهانا في عام 1990 في مدينة نيويورك على يد مواطن أمريكي مولود في مصر، لكنه ترك إرثًا دائمًا لليمين المتطرف في إسرائيل.

وتفخر حركة “عظمة يهودية” بأنها تُلقب ب”حركة”كاهانا”، وتبني برنامجها على العنف ضد الفلسطينيين، وطرد المجتمعات العربية من إسرائيل والضفة الغربية. وفي السنوات الأخيرة، برز نشاط الحزب في محاربة التزاوج بين اليهود والعرب. كما تزعم أيضًا “بن جبير” منظمة “لاهافا”، والتي تصف نفسها بأنها عدو للتكامل بين العرب واليهود. وتورطت المنظمة في إضرام النيران عمدًا في مدرسة للأطفال اليهود والعرب في القدس في عام 2014. وقبل عامين، رفضت الولايات المتحدة الأمريكية منح “بن جبير” تأشيرة دخول إلى أراضيها بسبب عضويته في منظمة إرهابية.

وتمثل أفكار “بن جبير” وحركة “عظمة يهودية” أقصى اليمين على الساحة السياسية. إلا أن ذلك لم يمنع غالبية الإسرائيليين من إرسال أبنائهم إلى الجيش، حيث ينتهي الأمر بهم في كثير من الأحيان إلى الدفاع عن مستوطنين مثل “بن جبير” في الضفة الغربية. وهذا يطرح سؤالا: هل يجب أن تكون هذه الأيديولوجية اليمينية المتطرفة متعارضة مع الأفكار السائدة في المجتمع الإسرائيلي، ولماذا لا يزال العديد من الليبراليين يرسلون أطفالهم للدفاع عن هذه الإيديولوجية؟

ومع أخذ أهوال الهولوكوست بعين الاعتبار، فإن إسرائيل تسعى جاهدة لإثبات أن لديها “جيشًا نبيلًا”، وأن جنودها يستطيعون رفض الأوامر التي يرون أنها غير أخلاقية، وبالتالي ، لا يمكن لأحد أن يتذرع بأن عليهم اتباع الأوامر، مثلما قال الضابط النازي “أدولف أيخمان” في محاكمته. وعلى الرغم من حقيقة أن غالبية الجنود يخدمون في الضفة الغربية، فإن “حركة الرفض” اقتصرت على بضع مئات من الأشخاص على مدى العقود الخمسة الماضية. وإذا كان الإسرائيليون قد سئموا فعلاً من عنف المستوطنين وتطرفهم من أمثال “بن جبير”، فبإمكانهم تأدية خدمتهم العسكرية في أي مكان آخر غير الضفة الغربية. ولكن هذا لم يحدث، لأن غالبية الإسرائيليين ببساطة لم يؤجلوا خدمتهم العسكرية في الضفة الغربية – أو ربما أنهم مصابين بحالة مبتذلة من اللامبالاة. وفي كلتا الحالتين، فإنهم يساندون إيديولوجية أقصى اليمين وأنشطتها، وهناك سبب لهذا.

إن الاختلاف الشاسع بين الخطاب والواقع أصبحت موضع تركيز حاد مع دخول حزب “عظمة يهودية” المعترك السياسي. وقبل الانتخابات العامة في نيسان/أبريل، تحالف أبرز منافسو رئيس الوزراء “نتنياهو”، وهو الجنرال الإسرائيلي السابق “بيني غانتس”، مع نجم التلفزيون الذي انتقل للسياسة، وهو “يائير لبيد”، لتشكيل ائتلاف قد يعيق قدرة رئيس الوزراء على الفوز بالأغلبية.

ورداً على ذلك، اتفق “نتنياهو” مع حزب “عظمة يهودية” لكي ينضم الحزب إلى أحد أحزاب اليمين الرئيسية ويسمى “البيت اليهودي”. وعلى الفور، استنكرت الجماعات اليهودية في جميع أنحاء العالم هذا الاتفاق، بما في ذلك لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، والتي تحرص على تجنب التدخل في السياسة الداخلية الإسرائيلية. وقالت “أيباك” (لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية) أن أفكار حزب “عظمة يهودية” تستحق الشجب، وتعهدت اللجنة بعدم التواصل مع أي سياسي تابع للمنظمة إذا اعتلت السلطة في الانتخابات.

وفي حين قد يبدو الأمر وكأنه موقف مبدئي من جانب لجنة “أيباك” وأمثالها، فإن الحقيقة هي أن أفكار حزب “عظمة يهودية” تلقى من عدة أوجه قبولاً أكثر لدى قطاع كبير من الإسرائيليين مقارنة بمن هم خارج البلاد. وعلى الرغم من أن العديد من الإسرائيليين قد لا يوافقون على العنصرية الصريحة للحزب، إلا أن أفعالهم في حقيقة الأمر تدعم المهمة العامة للحزب. وعلى الرغم من أنهم قد لا يحبون نظرة الآخرين إلى الاحتلال، إلا أنهم يدركون أنه أصبح جزءًا من حقيقة إسرائيل الدائمة. وينظر الإسرائيليون إلى الاحتلال على أنه مكون جوهري للأمن العام لإسرائيل. ولهذه الغاية، يواصل التيار الرئيسي دعم الاحتلال بضرائبه، والجيش. وبالفعل، من دون دفاع الجيش عن المستوطنات في الضفة الغربية، فإن حزب “عظمة يهودية” سوف ينحل ليصبح غير ذي أهمية. غير أن ما خفي عن الحزب كان أعظم.