الدعاية والتخيل: تكتيكات جديدة تستخدمها إيران وحلفائها

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Mazen Akl

أدّى قيام الأمريكيين باغتيال اللواء الإيراني قاسم سليماني في يناير إلى تغيير في التكتيكات الخاصة بإيران ووكلائها، فقد قامت الميليشيات الموالية لطهران بتنفيذ بعض الهجمات لكن على نطاق أقل (وبالطبع هذا يشمل التعرُض للبوارج الأمريكية في مياه الخليج)، لكن إيران بالغت فيما يتعلّق بأهمية تلك الهجمات، حتى أن خطوة إطلاق ما يسمى ب”القمر الصناعي العسكري” بداية الشهر الحالي تحتاج للتقييم، ومعرفة ما إذا كانت تلك الخطوة بمثابة تغيير حقيقي للعبة أم أنها تتبع سلسلة المبالغات التي دأبت عليها طهران.

وحينما قامت الطائرات الإسرائيلية المُسيّرة بقتل اثنين من أعضاء حزب الله في سوريا الصيف الماضي، لقيامهما بالتخطيط لشن هجوم بالطائرات المُسيّرة، تمثّل رد فعل حزب الله في إطلاق عدد من الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وعقب الهجوم قامت إسرائيل بما يمكن وصفه بعملية إجلاء، لكن حزب الله لم يدرك حقيقة أن “من تم إجلاؤهم” من “القتلى” و”الجرحى” لم يكونوا سوى دُمى مصنوعة من البلاستيك، لكن حزب الله احتفل بهذا الانتصار المزيف في حينها، وحينما أعلنت إسرائيل أن أحدًا من جنودها لم يصاب في الهجوم أصرّ حزب الله على أن الدولة اليهودية كاذبة.

وبالمِثل حين أقدمت الولايات المتحدة على قتل سليماني قائد الميليشيا البارز، تمثّل رد الفعل الإيراني في إطلاق أكثر من 10 صواريخ على القواعد العراقية التي تتواجد بها قوات عراقية وأمريكية، وقالت واشنطن إن الهجوم لم يسفر عن أية إصابات، سوى إصابة العشرات بارتجاج في المخ لكنه غير مُميت، لكن طهران أصرّت على أن هناك المئات من الجنود الأمريكيين سقطوا بين قتيل وجريح.

ولا تزال إسرائيل تشن هجمات جوية على أهداف إيرانية في سوريا، وكذا تقوم بشن هجمات مُماثِلة على الأراضي العراقية بين الحين والآخر، وأما قاعدة الإمام علي الواقعة على الحدود السورية – العراقية، والتي تستضيف وحدات الحرس الثوري الإيراني وتعُد مركزًا لتدريب وإعاشة أعضاء الميليشيات فضلًا عن أنها مخزن للأسلحة، فقد تعرّضت للهجوم من القاذفات الإسرائيلية.

لكن وحتى الآن لم تقم إيران بالرد على تلك الهجمات القاسية، وقد استهدف آخر تلك الهجمات في الخامس عشر من إبريل مصطفى مغنية، نجل عماد مغنية أحد مؤسسي حزب الله، وكان الإسرائيليون قد قتلوا الأب عماد مغنية في العام 2008، وقتلوا نجله الآخر جهاد في العام 2015 لكن مصطفى نجا حينها من القتل.

وبعد أيام قليلة من الهجوم الأخير الذي استهدف مصطفى مغنية؛ تم اكتشاف ثلاث فتحات في السياج الذي أقامته إسرائيل على طول الحدود مع لبنان، وقد بالغ حزب الله في تصوير رد الفعل على هذا الهجوم عبر إغراق شبكة الإنترنت بصور الأضرار التي لحقت بالسياج، وادّعى حزب الله أن هذا الأمر هو دليل على قدرة الحزب على التسلل للأراضي الإسرائيلية متى شاء، لكن الصور التي بثّها حزب الله لم تكن مُقنِعة، وكل فتحة من الفتحات الموجودة بالسياج تكاد تكفي لمرور شخص واحد بالكاد، ناهيك عن الأسلحة والمعدات التي يحملها.

كل تلك المعطيات تشير إلى أن طهران باتت تنتهج أسلوبًا جديدًا للرد على الهجمات التي تقوم بها كل من إسرائيل والولايات المتحدة، بمعنى أن إيران باتت تلجأ لأسلوب التقاط الصور ونسج قصص حولها بدلًا من القيام بعمليات ملموسة على الأرض، وهذا الأسلوب يعُد متناقضًا للغاية مع الأسلوب المُتبع في السابق، حين كانت إيران وحزب الله يقومان بالعمليات سرًا، ومن النادر أن يتفاخرا بما يقومان بتحقيقه.

ولم تعترف إيران أو حزب الله يومًا بالمسؤولية عن الهجوم الذي تم في العام 1983 واستهدف السفارة الأمريكية في بيروت ومنشآت تابعة لمشاة البحرية الأمريكية، وذلك على الرغم من أن العقل المدبر وراء تلك الهجمات كان عماد مغنية مؤسِس حزب الله، وخلال العام الحالي الذي يوافق الذكرى 37 لتفجير السفارة الذي تم في الثامن عشر من إبريل، قام حزب الله بنشر صور على تويتر لمبنى محطم إلى جانب عدة صور لمغنية مع هاشتاج ” حتى لا تنسوا”.

والسبب وراء هذا التحول من الهجمات الحقيقية إلى الدعاية يعُد بمثابة لغز. ومن الممكن أن تكون الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية المسماة (الضاحية المقدسة) قد أسفرت عن إضعاف هذا النظام العدواني عبر تدمير البنية التحتية المدنية، وذلك قد أدّى إلى القضاء على النفوذ الإيراني، وتلك الاستراتيجية استوحت اسمها من ضاحية بيروت الجنوبية التي كانت بمثابة مقر القيادة العامة لحزب الله إبان الحرب الأهلية اللبنانية، وكانت استراتيجية الضاحية المقدسة بمثابة نقطة تحول في السياسة الإسرائيلية التي كانت تقوم على انتقاء أهداف محددة وتفادي ضرب المناطق التابعة لحزب الله والمأهولة بالسكان، لكن في العام 2006 قامت إسرائيل بتدمير الضاحية بشكل كامل، ومن حينها صار حزب الله يفكر مرتين قبل الدخول في حرب مع إسرائيل.

وبالمِثل فإن الجنرالات الأمريكيين حاولوا القضاء على مسألة التمييز بين إيران ووكلائها، وذلك حين طلب قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الجنرال جيمس ماتيس (الذي صار بعدها وزيرًا للدفاع في إدارة دونالد ترامب)، طلب السماح بشن هجمات داخل الأراضي الإيرانية تستهدف العقول المدبرة للهجمات التي تتعرّض لها القوات الأمريكية في العراق.

أما الرئيس الأسبق باراك أوباما والذي كان يسعى بشدة لإبرام اتفاق مع إيران يضاف إلى إنجازاته، فقد رفض السماح بشن هجمات داخل الأراضي الإيرانية، ولم يكن ترامب يقع تحت نفس الضغط لذا فقد وافق على قتل سليماني، وقد كانت تلك خطوة غير مسبوقة أظهرت أن الأمر بالنسبة للولايات المتحدة مثل إسرائيل، وأنهما يعتبران إيران وداعميها كيانًا واحدًا.

ومع الهدوء الذي يخيم على المنطقة في الوقت الراهن، لم يتبق من النفوذ الإيراني المتبجح سوى الدعاية، ومن ثم فإن عملية القيام بإحداث الفتحات الثلاث في السياج على الحدود الإسرائيلية تم تصويرها على أنها عملية جريئة، كما تم الإعلان عن أن الهجمات الصاروخية على القوات الأمريكية في العراق ستؤدي إلى تغيير اللعبة، والحقيقة تنافي ذلك تمامًا.

وخلال الحرب العربية – الإسرائيلية التي اندلعت في العام 1967، أعلنت الإذاعة المصرية التابعة للدولة إن الجيش المصري قد وصل لضواحي القدس، وبعدها بأيام ظهرت الحقيقة، فقد نجحت إسرائيل في تدمير الطائرات الحربية المصرية بدون ان تقلع من على الأرض ثم تفرغت لتدمير باقي القوات المصرية.

والآن يبدو أن إيران والميليشيات التابعة لها قد تبنّت التقليد القديم ومؤداه أنه في الحرب، التخيل أهم من الحقيقة.

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب صحيفةالرايالكويتية اليومية في واشنطن، وهو زميل زائر سابقًا في معهدتشاتام هاوسلندن.