الخصوصية في زمن الوباء

جوزيف دانا

AFP photo: Philippe Huguen

تعُد ردود الفعل العالمية على انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) بمثابة نافذة من الممكن أن نعرف من خلالها كيف تصارع الحكومات من أجل احتكار السُلطة، لكن الأمر لا يتعلّق بالقوة أو استخدام العنف، بل أنها تتعلّق بتعارُض الآراء حول الخصوصية في عصر الهواتف الذكية. وعلى مدار الأعوام العشرين السابقة قامت شركات متخصصة في التكنولوجيا معظمها يقع في الصين والولايات المتحدة بتأسيس بنية تحتية ضخمة في مجال المراقبة باستخدام الهواتف الذكية، وفي الصين تُستخدم تلك البنية التحتية في ضمان استمرار السيطرة، بينما في الغرب تُستخدم بصورة أساسية كمحرك في مجال الإعلانات. وبغضّ النظر عن مقاصد استخدام الهواتف الذكية فإنها تعُد الأداة ذات القوة المُطلقة فيما يخص جمع البيانات.

واليوم فإن كل شخص تقريبًا يمتلك هاتفًا ذكيًا، وهؤلاء مجتمعين ينتجون كمية ضخمة من المعلومات بشكل يومي، ومن بيانات الموقع حتى البحث في التاريخ وشراء الماركات والسجلات الصحية وغيرها من امور، أصبح البشر بمثابة مولدات للبيانات تمشي على قدمين. وبغضّ النظر عن المستوى الاجتماعي أو الخلفية أو العُمر أو الجنسية، فنحن جميعًا على اتصال عبر المعلومات التي نقوم بإنتاجها، لكن هناك تحفُظ على تلك المسألة؛ وعلى الرغم من أننا ننتج المعلومات، فلسنا بالضرورة نملك وسائل الوصول إليها واستخدامها.

والواقع أن هناك شركات خاصة مثل جوجل ودول ذات سيادة مثل الصين لديها القدرة على تحويل البيانات الغير مكتملة إلى أداة استخباراتية فعالة، وقد قاموا بتطوير الحسابات والعمليات في مجال الكمبيوتر من أجل تحويل البيانات العشوائية التي ننتجها، والتي تأتي في شكل أكواد عبارة عن أصفار ثنائية وأحادية، حيث يستفيد المعلنون من تلك البيانات. والكثير من علماء السلوك هم من أدوات الأجهزة الأمنية.

لكن ما علاقة كل هذا بانتشار فيروس كورونا على مستوى العالم؟، المسألة في غاية البساطة، وبما أننا جميعًا نمتلك هواتف ذكية من السهل تتبُع تحركات كل منا وحتى يمكن توقّع أين نحن في أي وقت وفي أي ساعة من اليوم وأي يوم من الأسبوع. وفي محاولة منها لمواجهة انتشار فيروس كورونا، عمدت بعض الدول لاستغلال تلك المسألة كأداة لا تُقدّر بثمن، وقد شمل رد فعل النظام الصيني القوي و(الاستبدادي) على انتشار فيروس كورونا، استخدام شبكة المراقبة الضخمة التي تملكها في التحقُق من إبلاغ الأجهزة الصحية الوطنية بحالات الإصابة الجديدة، ويعود الفضل في نجاح الصين في محاصرة المرض بشكل سريع إلى أنواع المراقبة التي اشتملت على قرارات سلطوية.

لكن “الديمقراطية الاشتراكية” الصينية تختلف عن نظيرتها الأوروبية. وإسرائيل من ناحية أخرى تعتقد أنها نموذجًا للديمقراطية الغربية في منطقة الشرق الأوسط، واليوم فإن إسرائيل تستخدم ذات المنهج الصيني لمراقبة الأشخاص المصابين بالفيروس عبر حدودها، وقد استعانت وكالة أمن الإنترنت الإسرائيلية بالمعلومات السرية التي حصلت عليها عبر مراقبة الفلسطينيين، كي تتعقّب المصابين بفيروس كورونا، وذلك في محاولة للوصول للآخرين الذين ربما أصابتهم العدوى ويحتاجون النقل إلى الحجر الصحي، وتلك التقنية غير شرعية ولا تقوم بتركيز انتباهها على الفلسطينيين فقط.

والواقع أن التقارير الواردة حول هذا البرنامج وفيم يُستخدم صدمت العديد من الإسرائيليين، مما دعا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى القول بأن إسرائيل تحتاج إلى “الحفاظ على التوازن بين حقوق الأفراد واحتياجات المجتمع بشكل عام”، والواقع أن إسرائيل ظلت لسنوات تستخدم تلك التقنية ضد الفلسطينيين، سواء داخل الأراضي المحتلة أو داخل الأراضي الإسرائيلية، لذا فإن “الصدمة” التي أصابت الإسرائيليين من الكشف عن تلك التقنية ربما كانت مصطنعة.

وأيًا كان الأمر فإن ظهور فيروس كورونا أثار العديد من الأمور الهامة حول تقنية المراقبة، ونحن لدينا الآن أكبر بنية تحتية في المراقبة على مدار التاريخ تحت الطلب، ولو تم استخدامها بكفاءة يمكنها رصد انتشار الفيروس والمساعدة على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن مصدر الفيروس ومن ثم إنقاذ الأرواح. لكن هل تعطي الشعوب للحكومات على مستوى العالم سُلطة استخدام تلك التقنية المذهلة؟، وهل الشعوب مُجبرة على أن تفعل ذلك؟.

ويجب أن نعترف أن الكثير منا – ربما الغالبية العظمى – يمنح سُلطة المراقبة تلك لشركات مثل فيسبوك وجوجل، وتلك الشركات لا تستجيب إلا لمن يحملون أسهمًا فيها، وشركة جوجل على سبيل المثال تعرف عنك ربما أكثر مما يعرفه شريك حياتك أو طبيبك، وبالنظر إلى الكم الهائل من الفضائح المتعلقة بخصوصية البيانات الذي ظهر على مدار السنوات القليلة الماضية، فإن تلك الشركات في العادة لا تعمل لمصلحتك.

وهذا يقودنا إلى سؤال بسيط: لماذا نمنح البيانات الخاصة بنا طواعية لشركة تقع في وادي السيليكون معروف عنها اختراق الخصوصية لماذا نقدم لها أدق التفاصيل عن حياتنا، وأن نقلق من تقديم تلك البيانات لحكوماتنا في وقت انتشار وباء ربما يحقق رقمًا تاريخيًا في عدد الضحايا؟، وهناك أسباب كثيرة تدفعنا لنقد استجابة الحكومات لأزمة انتشار فيروس كورونا، خاصة في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، لكن في تلك اللحظة الفارقة نحتاج لاستغلال جميع الأدوات المتاحة للتغلُب على هذا الفيروس.

وبينما يبدو الأمر مُفزِعًا حين نفكر في منح الحكومات سُلطة الاطلاع على أدق تفاصيل حياتنا؛ فإن العالم يواجه موقفًا لا مثيل له، ونحن إلى حد بعيد نملك الأدوات التي تساعدنا على وقف انتشار الفيروس، وقد حان الوقت كي نفكر خارج الصندوق لأن اللحظات الصعبة تستدعي إجراءات قاسية، وبالطبع نحن نحتاج إلى إعادة تقييم مصلحة من يملكون الاطلاع على بياناتنا الشخصية، لكن هذا لن يحدث قبل أن نقضي على فيروس كورونا.

يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.