هناك سببًا قويًا يدفع باتجاه تأجيل الحملة الثانية من التطعيم ضد فيروس كورونا

جوناثان جرونال

AFP photo via Indonesia Presidential Palace

نحن نعيش في عصر نشهد فيه مؤامرات لا أساس لها تنمو وتنتشر بسرعة تشبه سرعة انتشار أشد الفيروسات، وخلال الفترة الأخيرة فإن الثقة في لقاحات فيروس كورونا التي باتت كثيرة للغاية تعرضت لهزة بسيطة بسبب تعليقات رواد مواقع التواصل الاجتماعي، تمامًا مثل الجدال الشديد الدائر حول مسألة التخلّي عن العمل بالبروتوكولات المقترحة لتنظيم عملية إنتاج وتوزيع تلك اللقاحات الجديدة.

وبالنسبة لأيًا من شعوب العالم فإن عملية تطوير مناعة الجماهير وكسر سلسلة انتقال الفيروس تستلزم تطعيم ما يزيد على 70% من عدد السكان، وقد قررت المملكة المتحدة تأجيل البدء في المرحلة الثانية من توزيع اللقاحين اللذان تمت إجازتهما للاستخدام؛ وذلك حتى يتم التحقُق من أن المزيد من أفراد الشعب قد حصلوا على الجرعة الأولى من اللقاح في وقت قريب.

وقد جاء هذا القرار نتيجة لحقيقتين متناقضتين، الأولى هي أن كل دولة على مستوى العالم باتت تُلِحّ في طلب نصيبها من تلك اللقاحات التي تستلزم وقتًا لإنتاجها كما أن عددها الآن أقل من المطلوب، والحقيقة الثانية هي أن ظهور السلالات الجديدة من الفيروس وهي أسرع انتشارًا جعلت الحاجة لعملية التطعيم الجماعي أكثر إلحاحًا.

وفي الأساس هناك حالة عامة من عدم الارتياح جراء السرعة التي تم بها تطوير وإجازة تلك اللقاحات، وأن هذا الأمر لم يتمتع بالحكمة، وتتمحور الفكرة حول أنه في الوقت الذي شعرت فيه الحكومات بالقلق لأنه مطلوب منها تطعيم أكبر عدد من الناس؛ بدا وكأن تلك الحكومات تجاوزت عنصرًا رئيسيًا فيما يخص البروتوكولات المعنية بتوزيع تلك اللقاحات مما زاد بدوره من حالة القلق، وإذا ما أردنا القضاء على هذا الوباء يجب علينا تعزيز حالة الثقة العامة.

وفي بداية الأمر أعلنت المملكة المتحدة أن كل مواطن سوف يتلقّى جرعتين سواء من لقاح أسترازينيكا-أوكسفورد أو فايزر-بايونتيك، على أن يكون هناك 3 أو 4 أسابيع كفاصل زمني بين كل لقاح كما أوصت الأبحاث العلمية، لكن في الثلاثين من ديسمبر أصدرت وزارة الصحة توجيهًا مؤداه أنه كي تصل الجرعة الأولى لأكبر عدد من الناس فإن المرحلة الثانية من التطعيم بأي من اللقاحين يجب ألا تُقدّم قبل مرور 12 أسبوعًا على تلقّي الجرعة الأولى.

وقد أثار القرار انتقادات واسعة من قِبل أنتوني فاوتشي أحد أبرز الخبراء الأمريكيين في الأمراض المُعدِية، وكذا أثار انتقادات مُماثِلة داخل المملكة المتحدة، وقد أعلنت الجمعية الطبية البريطانية التي تمثل أطباء البلاد أن هذا القرار يعُد “ظُلمًا فادحًا” للأشخاص المعرضون للمرض، وكذا للمرضى المعرضون للخطر والذين حصلوا على الجرعة الأولى وقد بات عليهم الآن الانتظار من أجل الحصول على الجرعة الثانية، وقالت المجموعة الاستشارية العلمية لحالات الطوارئ التابعة للحكومة البريطانية (SAGE) إن مقترح تأجيل جرعات المرحلة الثانية هو “مقترح متوازن للغاية” وأن له ما يبرره، “لكن ذلك يتعلّق فقط بكونه جزء من الخطة الطموحة الشاملة من أجل القضاء على العدوى”.

وفي الخامس من يناير؛ أسهمت منظمة الصحة العالمية في مضاعفة حالة الالتباس عبر إعلانها عن أنه “في إطار الحالات الاستثنائية” يمكن إعطاء لقاح فايزر-بايونتيك عقب 6 أسابيع من الحصول على الجرعة الأولى – وهي نصف المدة التي تمت إجازتها من قِبل المملكة المتحدة، وهذا يعني أن توافر المخزون في الدول التي تواجه صعوبات في الحصول على اللقاح، سيؤدي إلى “زيادة عدد الأشخاص المستفيدين من الجرعة الأولى”.

والآن فإن القرار الخاص بإعطاء مهلة زمنية بين الجرعتين الأولى والثانية من عدمه؛ بات يمثل تحديًا للعديد من الدول التي تتسابق من أجل التطعيم بصورة جماعية، وقد بات الشرق الأوسط في القلب من تلك المنافسة.

وتتصدر إسرائيل قائمة الدول التي وفرت اللقاح، حيث حصل 15% من عدد سكانها البالغ 9.05 مليون نسمة على الجرعة الأولى من اللقاح على أقل تقدير، وتحل الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية؛ حيث أنه وبحلول نهاية الأسبوع الماضي حصل 8% من سكانها البالغ عددهم 9.77 مليون نسمة على اللقاح، وأعلنت وزارة الصحة الإماراتية أنها تهدف إلى تطعيم 50% من الشعب بحلول نهاية مارس المقبل، وأتت البحرين في المرتبة الثالثة حيث نجحت في تطعيم 3.75% من تعداد السكان.

وأعلنت المملكة العربية السعودية اعتماد لقاح فايزر-بايونتيك في السابع عشر من ديسمبر، وبحلول السابع من يناير كان هناك 100 ألف مقيم قد حصلوا على الجرعة الأولى وتم تسجيل مليون مقيم آخر للحصول على ذات الجرعة، ويُعتقد أن شركة فايزر ستقوم بتزويد المملكة بمليون جرعة من اللقاح بحلول نهاية فبراير، وعلى أي حال فإن تعداد السعودية يزيد على 33 مليونًا، وهو ما يعني أن المملكة بات عليها تطعيم 23 مليونًا كي تصل لمرحلة التطعيم الشاملة، وعملية السعي للوصول لأكبر عدد من الناس بصورة سريعة باتت واضحة للغاية.

ومن ثم؛ هل بات عليك أن تشعر بالقلق إذا ما طُلِب منك الانتظار لمدة أكثر من الموصى بها لأجل الحصول على الجرعة الثانية من اللقاح؟.

الإجابة: لا

ولنأخذ لقاح أسترازينيكا كمثال وهو اللقاح الذي قامت بتطويره جامعة أوكسفورد، فقد تمت تجربة هذا اللقاح بصورة عشوائية (لكن وفقًا لخطة مدروسة) على أكثر من 23 ألف شخص في المملكة المتحدة والبرازيل وجنوب أفريقيا، وبعد كل هذا فقد خلصت الدراسة الشاملة إلى أن هناك “فعالية هائلة للقاح بلغت 70.4% عقب تلقّي جرعتين، ونسبة حماية بلغت 64.1% بعد تلقّي جرعة واحدة قياسية على الأقل”، وبمعنى آخر فقد كان هناك اختلافًا بلغ 6.3 درجة مئوية فقط في الفاعلية بين الجرعتين الأولى والثانية.

ومن الممكن – على الرغم من أن هذا الأمر غير مرجح إلى حد بعيد – أن الشخص الذي ينتظر 12 أسبوعًا بدلًا من 3 أسابيع فقط من أجل الحصول على الجرعة الثانية؛ أن يتعرّض لعدوى فيروس كورونا (كوفيد-19) خلال تلك الفترة، لكن تلك المخاطرة تظل أقل بكثير من خطر الإصابة بالعدوى دون الحصول على أية حماية، كما أن خيار الانتظار يعُد مرجحًا بقوة إذا ما نظرنا إلى المنفعة التي ستعود على المجتمع ككل عبر مد فترة الحماية (وذلك عبر الحصول على الجرعة الأولى) حتى تصل الجرعة الثانية بعد ذلك إلى المزيد من البشر.

وهناك حقيقة محتومة؛ مؤداها أن الصورة الأكثر تفصيلًا لفاعلية تلك اللقاحات الجديدة، وكذا الأعراض الجانبية الغير معلومة حتى الآن لن تظهر إلا بعد تطعيم نسبة كبيرة من المواطنين على مستوى العالم، والواقع أننا نعُد بمثابة حقل تجارب، وذلك بالنظر إلى أن الأشخاص الذين حصلوا على الجرعة الأولى يعتبروا مشاركين في تجربة اللقاحات التي لم يشهدها العالم من قبل، ويجب علينا أن نفخر بهذا الأمر.

وفي إطار هذا المسعى؛ فإننا لن ننجح فقط في تقليل فرصة إصابتنا وإصابة من نحب وربما الموت بسبب هذا الوباء، بل سننجح أيضًا في تقبُل هذا الخطر اليسير المحتوم الغير معلوم والخاص بتوزيع أية لقاح على هذا النطاق الواسع، وكذا نحن نقوم بدورنا في تلك المعركة الكبرى ضد هذا القاتل الذي حصد أرواح ما يقرب من مليوني شخص على مستوى العالم.

جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا بِمجلة “تايم”، وقد أقام وعمل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.