السودان قد تكون نقطة الانطلاق الجديدة “للعبة الكبرى”

نيكولا ميكوفيتش

AFP photo

في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عن اتفاق مع السودان لبناء منشأة فنية مزودة بإمكانيات لإرساء السفن وتعمل بالطاقة النووية. وفي وقت الإعلان عن الاتفاقية، لم تكن الخرطوم قد صادقت عليها بعد. ولكن يبدو أنها صفقة منتهية. بعد مرور ستة أشهر، لا يزال الروس ينتظرون، فضلاً عن أن ثمة فرصة كبيرة بعدم إتمام الاتفاق مطلقًا – لأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح بذلك.

إن احتمال وجود قاعدة عسكرية روسية في إفريقيا، بالإضافة إلى القاعدة البحرية الصينية الموجودة والعاملة بالفعل في جيبوتي، وكذلك أكبر قاعدة عسكرية تركية خارجية في الصومال، قد دفع بالولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة التفكير في أولوياتها في القارة الأفريقية. حتى الآن، لم يعد تركيز القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) منصبًا على منع الإرهاب، بل على كبح النفوذ الصيني والروسي في القارة الأفريقية. وفي 2019، تضاعف تمويل أفريكوم الخاص بالعمليات.

بالنسبة لروسيا، فإن وجود قاعدة بحرية في شمال شرق إفريقيا سيخدم أغراض عدة. ولطالما كانت الدول الأفريقية العملاء الرئيسيين للمعدات العسكرية الروسية. وضخت شركات الطاقة الروسية “غازبروم” و”لوك أويل” و”روستيخ” و”روس آتوم” استثمارات هائلة في القارة الأفريقية. وفي الأشهر الستة الماضية، استخدمت روسيا أيضًا ميناء “بورتسودان” لتوريد الأسلحة إلى شركة الأمن الخاصة، مجموعة فاغنر، والتي تعمل لصالح الحكومة في جمهورية إفريقيا الوسطى.

(اُستخدم هذا الميناء، وهو مركز تجاري رئيسي على البحر الأحمر، في الماضي القريب كقاعدة شحن إيرانية لنقل الأسلحة إلى حزب الله والجهاد الإسلامي).

ومن الناحية اللوجستية، فإن وجود منشآت عسكرية منتشرة في جميع أنحاء العالم، وفيها يستطيع الأسطول الروسي أن يرسو لإجراء الإصلاحات وإعادة التزود بالوقود، هو أمر مفيد جدًا. ولكن وجود قاعدة بحرية في “بورتسودان”، وعلى طريق بحري مزدحم للغاية، من شأنه أيضًا أن يمنح روسيا المكانة والفرص لتوسع نفوذها السياسي والاقتصادي في جميع أنحاء شرق القارة الأفريقية ووسطها. ولا يخفى على أحد أن الكرملين مهتم بإقامة مشاريع تجارية عالمية في السودان، ولاسيما في مجال الاتصالات والطيران والزراعة.

قد يكون السودان من أفقر دول العالم، ولكنه من بين أكبر ثلاث دول أفريقية في مجال تعدين الذهب. ويمتلك السودان أيضًا “1,5” مليون طن احتياطي مؤكد من اليورانيوم، ويصدر جارته جنوب السودان الغني بالنفط الطاقة عبر خط أنابيب نفط النيل الكبير الذي يمر عبر السودان.

ولا غرابة إذن في أن يكون التقارب الروسي مع السودان بمثابة جرس إنذار للولايات المتحدة الأمريكية لما فيه من تهديد محتمل للمصالح الأمريكية في المنطقة، فضلاً عن إجبار واشنطن أيضًا على إعادة تقييم أهمية السودان – ولهذا زار وفدًا من كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين السودان مؤخرًا.

وزار السودان في يناير/كانون الثاني الماضي كلٌ من أندرو يونج، نائب القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” للتعاون المدني العسكري، والأدميرال “هايدي بيرج”، مدير المخابرات البحرية. وفي الشهر التالي، دخلت سفينة النقل السريع العسكرية التابعة لقيادة البحرية العسكرية الأمريكية، يو إس إن إس كارسون، ميناء “بورتسودان” في 24 فبراير/شباط، بينما شهد الأول من مارس/آذار وصلت إلى الميناء المدمرة ذات الصواريخ الموجهة “يو إس إس ونستون إس تشرشل”.

ووفقًا لتقارير إخبارية عربية، علقت حكومة الخرطوم ترخيص إنشاء القاعدة البحرية الروسية، والتي كان مقرر لها في شمال “بورتسودان”. ونفت موسكو المزاعم ووصفتها بأنها شائعات مصدرها الغرب. ولكن سواء كانت الادعاءات صحيحة أم لا، فالواقع يقول إن انتشارها في حد ذاته هو أمر مهم، ويشير قطعًا إلى أن الضغط من واشنطن هو عامل رئيسي في تعلق التصريح من جانب الخرطوم. ولا تزال الولايات المتحدة هي اللاعب الرئيسي في الشرق الأوسط، ولن تتنازل عن هذا الدور بسهولة.

وفي أوائل مارس/آذار، تلقى السودان 1.15 مليار دولار من واشنطن لسداد قرض إلى البنك الدولي. وردا على ذلك، أعلن البنك الدولي استئناف العلاقات مع الخرطوم بعد قرابة ثلاثة عقود. كما توصل السودان مؤخرًا إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لإعادة تمويل دين بقيمة 50 مليار دولار. ويمكن اعتبار الأمرين مؤشران على أن السودان على وشك الدخول في المدار الجيوسياسي الأمريكي.

وفي عام 2014، ألغت روسيا ديونًا بقيمة 17 مليون دولار مستحقة على السودان على أمل الاستثمار في البنية التحتية للنفط والغاز في البلاد، ولكن موسكو لم تجني بعد النتائج المرجوة من هذه البادرة.

وفي غضون ذلك، يبدو أن السودان أصبح ساحة جديدة “للعبة الكبرى”، وهي المواجهة السياسية والدبلوماسية بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية والتي حدثت في أفغانستان وآسيا الوسطى واستمرت معظم القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن التاسع عشر، سنوات القرن العشرين.

وفي هذه المرة، قد تكون المعركة ثلاثية الأطراف بين الولايات المتحدة وروسيا والصين والسودان بيدق هذه اللعبة. ولكن البيادق نفسها ستتحرك عاجلاً أم آجلاً. إذن، يتعين على الخرطوم تحديد واجتها شرقًا أم غربًا؟، روسيا أم الولايات المتحدة الأمريكية؟

نيكولا ميكوفيتش، محلل سياسي في صربيا. تنصب أعماله في الغالب على السياسات الخارجية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، مع اهتمام خاص بالطاقة و”سياسات خطوط الأنابيب”.