الحسابات السياسية والمالية في ميزانية العراق الأخيرة

كيرك ه. سوويل

إن إقرار العراق لميزانية 2018 في وقت سابق من هذا الشهر كان بمثابة مكسب مزدوج بالنسبة للطبقة السياسية، بحكم أنه جاء قبل انتخابات 12 مايو المقبل. غير أنه جرى بطريقة جعلت الغموض يحيط بمدى استفادة البلاد الممكنة من الإنفاق الحكومي المرتقب. أمَّا بالنسبة لرئيس الوزراء حيدر العبادي، فإن الأمر كان بمثابة اختبار لإدارته. فبدون خطة إنفاق، سيكون بإمكان الحكومة تسديد النفقات التشغيلية اليومية، لكن لن يكون بوسعها تمويل النفقات الرأسمالية التي تعد ضرورة حيوية في الظرف الحالي. ومع ذلك، فإن قيام المشرعين بإقرار الميزانية مع تعديلات تخص الإنفاق لم تنل مصادقة مجلس الوزراء يعني أن هذه التغييرات يمكن إبطالها دستورياً، ما قد يعقد الصرف الفعلي للأموال. علاوة على ذلك، من شأن اعتراض صندوق النقد الدولي على الأحكام المتعلقة بإقليم كردستان أن يتسبب في حالة من الجمود طيلة جزء كبير من السنة ستقف عائقاً في وجه التمويل.

هذا ويعطي دستور العراق الأسبقية للسلطة التنفيذية. وفيما يتعلق بالميزانية، يعني هذا الأمر أن مجلس الوزراء هو الذي يقوم بصياغة خطة الإنفاق. وإذا كان بإمكان البرلمان تقليص النفقات أو إدخال تعديلات إضافية، فإنه لا يستطيع زيادة الإنفاق. وقد اعتراض نواب برلمانيون من البصرة، التي تعد أهم مناطق إنتاج النفط في العراق، على القانون، حيث أكدوا أنه يتوجب على الميزانية تقديم تعويضات على الأضرار التي تعرضت لها بيئة المنطقة وقطاعها الفلاحي الذي يتميز بإنتاجيته على مر التاريخ، وذلك جراء الإنتاج الطاقي. وعلى النحو ذاته، تقدم نواب برلمانيون من المناطق السنية التي تعرضت لخسائر فادحة خلال الحرب الأخير بقائمة طويلة من المطالب المتعلقة بإعادة الإعمار والحقوق المالية لموظفي الدولة الذين لم يكن بمقدورهم العمل لفترات طويلة. كل هذا أسفر عن نزاع مع السلطة التنفيذية.

من جهته، لم يقدم العبادي سوى تنازلات متواضعة. وكنتيجة لذلك، حين عقد البرلمان أولى مناقشاته، تم انتقاد الميزانية من قبل كل الأطراف، حيث طالب النواب البرلمانيون بالمزيد من أجل محافظاتهم. لكن لوعيه بضرورة المضي قدما بقانون الميزانية، فقد قام رئيس مجلس النواب سليم الجبوري بعرضه للتصويت في أول مارس. وحين أصر نواب برلمانيون سنة على إدخال تعديلات ترفع الإنفاق (وبالتالي فهي ممنوعة دستورياً)، اقترح الجبوري أن يقوم البرلمان على الرغم من ذلك بالمضي قدماً في المصادقة وإقرار كافة التعديلات المطلوبة. ومن ثم فإن “من تضرر بهذه الميزانية له الحق في الاستئناف ضدها إذا رغب”. بتعبير آخر، فإن الجبوري تحدى العبادي أن يستأنف ضد المطالب الشعبوية.

وبالتالي تمت المصادقة على الميزانية ومعها سلسلة من التعديلات، بعضها قلص الإيرادات أو رفع النفقات، ما جعل الميزانية عرضة للطعن القانوني. وهناك حالتان بارزتان تتمثلان في الحد الموضوع من البرلمان على ضريبة المبيعات والمتمثل في 5 بالمائة بدلاً من 10 بالمائة، وإدراج نص يدفع الحكومة للاقتراض لدفع رواتب موظفي الدولة الذي لم يكن بمقدورهم العمل جراء الحرب. وبالرغم من ذلك كله، وبسبب مبدأ “الفصل”، يجب أن تظل الميزانية نافذة حتى وإن تم إبطال أحكام معينة فيها. (على سبيل المثال، خلال شهر أغسطس من العام الماضي، أبطلت المحكمة العليا 18 حكماً في ميزانية 2017 بناء على اعتراضات العبادي). وهذا وسيلغي أي طعن قانوني من قبل العبادي الحقوق المالية التي تخولها التعديلات.

ومع ذلك، فإن قانون الميزانية كان انتصاراً سياسياً للعبادي والنواب السنة. حيث يمكن للعبادي قول أنه نجح في إقرار الميزانية، ويمكنه الطعن في التعديلات أمام المحكمة إن هو أراد. وبالنسبة للقادة السُّنيين، يمكنهم الدخول إلى الانتخابات قائلين إنهم وافقوا على ميزانية تعطي الامتياز لجمهورهم الناخب. ولكن لا يمكن التأكد من إمكانية تنفيذ التعديلات إلا بعد فترة طويلة من الانتخابات المقبلة. وقد مثل هذا رهاناً آمناً بالنسبة للنواب، إلا أن الانتصارات السياسية لا تعادل بالضرورة نظيراتها المالية.

أما فيما يخص الأكراد، فقد كان من الواضح منذ البداية أنهم لن يصوتوا على الميزانية نظراً لأحكامها ذات الطابع المركزي القوي. ولهذا فإن قرار الميزانية هذا، بغض النظر عن مدى فوضويته، لم يكن للأكراد فيه طرف حيث أنهم قاطعوا عملية التصويت عليه. إلا أن قضايا مشروع القانون التي تهم الأكراد قد تُعقِّد عملية تنفيذ الميزانية، فقد بدأوا بالاعتراض على البنود التي توحِّد الصادرات النفطية، والتي ظهرت في كل ميزانية منذ 2013.، وهذه التدابير تجعل من برنامج صادرات حكومة إقليم كردستان النفطية المستقل أمراً غير قانوني. وإضافة إلى ذلك، بدلاً من أن تتلقى حكومة إقليم كردستان مبلغاً إجمالياً بقيمة 17 بالمائة من الميزانية، تم تقليص تلك القيمة إلى 12.67 بالمائة في نسخة أولية لمشروع القانون.

وفي حين قام العبادي بسحب تلك النسخة الأولية من مشروع القانون بسرعة بعدما تم تقديمها في أواسط شهر نوفمبر، فإن الأسباب التي دفعته لفعل ذلك لم تكن لها صلة بمعارضة الأكراد، بل كانت متعلقة بصندوق النقد الدولي. أما النسخة النهائية فقد تخلصت من المبلغ الإجمالي المرتكز على النسبة المئوية ونصت على أن يتلقى إقليم كردستان تمويلاً يتناسب وحجم ساكنته. ولم يقم العراق بعملية إحصاء للسكان بعد سنة 2003 للحصول على رقم موثوق، إلا أن تقديرات وزارة التجارة التي ارتكزت على عملية توزيع المساعدات الغذائية تشير إلى أن الساكنة الكردستانية تمثل ما يتراوح بين 13 و14 بالمائة من إجمالي سكان البلاد.

الآن وقد تمت الموافقة على الميزانية، أصبح بإمكان الحكومة أن تستخدم مخصَّص الرأسمال الذي تبلغ قيمته 20.9 مليار دولار، على الأقل مبدئياً، بما في ذلك سلطة الاقتراض المتضمَّنة في القانون. وقد تضررت وزارات الخدمات العامة ذات الأداء الضعيف خلال ولاية العبادي، حيث أدى الانخفاض الحاد لأسعار النفط إلى تراجع العائدات إلى أقل من المستوى اللازم لتغطية تكاليف التشغيل، ما دفع الدولة إلى الاقتراض من احتياطي النقد الأجنبي. (ينص القانون على أنه لا يجب استخدام احتياطي النقد الأجنبي لتمويل الحكومة.) وفي ظل أسعار النفط الحالية، تمتص تكاليف التشغيل ما يزيد عن 90 بالمائة من عائدات النفط، أما إذا انخفض سعر نفط “برنت” إلى أقل من 60 دولاراً للبرميل فستصبح تلك النسبة 100 بالمائة، وهذا يعني أنه من المؤكد تقريباً أن العراق سيقوم بالاقتراض. ويبقى السؤال المطروح هو: هل بإمكانه فعل ذلك؟

يبدو أن صندوق النقد الدولي قد يكون مستعداً لتجميد برنامج القروض الخاص به فيما يتعلق بكل من خفض ضرائب المبيعات والأحكام المتعلقة بكردستان، حسب ما ورد في لقاء صحفي بين صندوق النقد الدولي و”تقرير النفط العراقي”. إلا أن العبادي لا يمكنه تقديم تنازلات فيما يخص القضية الكردية مع اقتراب الانتخابات، ولذلك سيضطر العراق لإيجاد حلول أخرى غير الاقتراض من صندوق النقد الدولي لبضعة أشهر في حال تمكس هذا الأخير بموقفه. وبما أن قدرة العراق على الاقتراض من جهات دائنة دولية أخرى رهينة بخاتم الموافقة الذي يقدمه صندوق النقد الدولي، فإن ميزانية الاستثمار الرأسمالي التي تعتمد على القروض تبقى موضع شك.

إذن سيشهد العراق حملة انتخابية يرتكز النقاش فيها على الإنجازات المتعلقة بالميزانية، ولكن البنية التحتية لخدمات البلاد العامة قد تواجه سنة عصيبة أخرى.

AFP PHOTO/AHMAD AL-RUBAYE