السلام أم السياسة؟ تركيا تستهدف كلاهما في أوكرانيا

نيكولا ميكوفيتش

Image courtesy of Ozan Kose / AFP

مع دخول الحرب الروسية في أوكرانيا شهرها التاسع، برزت تركيا كواحدة من أهم الاطراف الفاعلة الدولية في الصراع، ومع ميل معظم القوى لأحد جانبي الصراع، تمكنت أنقرة من الحفاظ على العلاقات مع كل من موسكو وكييف، ووضعت نفسها كوسيط رئيسي لإنهاء الصراع.

ولكن هل السلام هو حقا ما تصبو إليه تركيا، أم أن الرئيس رجب طيب أردوغان مهتم أكثر بالحصول على أكبر قدر ممكن من النفوذ على روسيا؟

وأشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرارا بما سماه الحياد التركي تجاه الحرب، وتكمن المفارقة في أنه في حين أبقت أنقرة خطوط الاتصال مفتوحة مع كلا الجانبين، إلا أنها في الواقع بعيدة كل البعد عن الحياد. حيث لا تقوم تركيا بتزويد أوكرانيا بطائرات بدون طيار من طراز “بيرقدار” فقط، ولكن أيضا بصواريخ تي “أر إل جي-230 ” التي يمكن توجيهها بدقة.، كما أطلق حوض بناء السفن التركي “رمكك مارينا” في شهر أكتوبر أول سفينة بحرية أوكرانية مضادة للغواصات.

وعلاوة على ذلك، من المتوقع أن تكمل شركة بايكار التركية لصناعة الطائرات بدون طيار مصنعا لتصنيع الدرونز في أوكرانيا في العامين المقبلين. فهل يعني ذلك أن أردوغان، “الصديق العزيز” لبوتين، تلقى ضمانات من الكرملين بأن القوات الروسية لن تهاجم الاستثمارات التركية؟

وعلى الرغم من أن ذلك الاتفاق يبدو مُذلاً لروسيا، إلا أنها لن تكون المرة الأولى التي يعقد فيها الزعيمان اتفاقا مثل ذلك، فلديهم تاريخ من الصفقات المربحة، من سوريا وليبيا إلى أرمينيا وأذربيجان.

وفي الآونة الأخيرة، أكد أردوغان أنه يدعم شحن الحبوب الروسية إلى الدول الأفريقية الفقيرة، ومن الصدفة العجيبة، إن البلدان التي سترسل روسيا حبوبها إليها مجانا هي مالي وجيبوتي والسودان والصومال وهي نفس الدول التي تحاول فيها تركيا زيادة نفوذها. وبالتالي، من وجهة نظر أردوغان، فإن “بادرة حسن النية” التي أرسلها بوتين ستساعد أنقرة على تحقيق أهداف سياستها الخارجية.

وفي أعقاب انفجارات جسر القرم في شهر أكتوبر، والتي أعاقت قدرة روسيا على إعادة تزويد قواتها في شبه جزيرة القرم، انسحب الكرملين من اتفاقية الحبوب في البحر الأسود، متهما أوكرانيا باستخدام “الممر الأمني” لمهاجمة أسطولها في البحر الأسود. ولكن كانت مكالمة هاتفية واحدة مع أردوغان كافية لبوتين لتغيير رأيه والموافقة لأوكرانيا بتصدير حبوبها عبر البحر الأسود. ونتيجة لذلك، تستطيع تركيا الآن شراء الحبوب من كل من أوكرانيا وروسيا بأسعار أقل، الأمر الذي سيعود بفائدة كبيرة على الاقتصاد التركي المتضرر من التضخم.

نعم، وضع تمديد اتفاق تصدير الحبوب تركيا مرة أخرى كلاعب مهم في الصراع، وأشار إلى أن أردوغان لديه نفوذ كبير على بوتين. لكن لماذا؟

نتيجة لعزلة موسكو الدولية، أصبحت تركيا بوابة روسيا الرئيسية إلى العالم، ولا تزال تركيا العضو الوحيد في حلف شمال الأطلسي الذي لم يفرض عقوبات على روسيا مما يمنح بوتين شريان حياة اقتصادي. وليس من المستغرب إذن أن يغض الكرملين الطرف عن تصرفات أنقرة في أوكرانيا وتصرفاتها الأخيرة  في سوريا.

وبعد أن شنت تركيا غارات جوية في شمال سوريا الأسبوع الماضي، بذل أردوغان قصارى جهده للتأكيد على أنه لم يخطر بوتين مسبقا بتلك الهجمات، على الرغم من أن روسيا لديها وجودها العسكري الخاص في سوريا. ويدرك أردوغان جيدا أن موسكو غير قادرة على مساعدة وحدات الدفاع الشعبي التي يهيمن عليها الأكراد في شمال سوريا – وهوالهدف الرئيسي لأنقرة – أو الجيش العربي السوري بقيادة بشار الأسد.

وبالمثل، بعد أن قررت تركيا مؤخرا تشديد القواعد على ناقلات النفط التي تعبر مضيقي البوسفور والدردنيل، وهي خطوة يمكن أن تحد من تدفقات النفط الروسي، اضطرت موسكو مرة أخرى إلى دفن رأسها في الرمال.

وتقوم تركيا بشراء الصمت الروسي، ففي عام 2021  بلغ حجم التجارة بين روسيا وتركيا ما يقرب من 35 مليار دولار ومن المتوقع أن يقترب من 60 مليار دولار هذا العام، وذلك وفقا لمصادر روسية. فضلا عن ذلك يهدف الكرملين إلى زيادة تعاونه في مجال الطاقة مع أنقرة، وتحويل تركيا إلى مركز إقليمي للغاز.

وعلى الرغم من أن أردوغان يدعم فكرة الغاز، إلا أنه ليس هناك ما يضمن أن يعطي الاتحاد الأوروبي الضوء الأخضر لمثل ذلك المشروع، ويتطلب القيام بذلك بناء كل من خط أنابيب الغاز “ترك استريم 2” الذي اقترحه لأول مرة الرئيس التنفيذي لشركة غازبروم أليكسي ميلر في عام 2019، ولكن ذلك الخط هو أيضا خط أنابيب جديد وسيمر عبر بلغاريا ورومانيا والمجر وتلك الدول هي أعضاء في الاتحاد الأوروبي. وإذا ظلت روسيا تحت العقوبات الغربية، فإن تحقيق مثل هذا المشروع هي فكرة غير واقعية.

وعلى الرغم من وجود نفوذ كبير على بوتين، فمن غير المرجح أن يكون لأردوغان القدرة على إنهاء الحرب الأوكرانية، فما يمكنه فعله هو الاستمرار في التوسط لمحاولة إجبار روسيا على مغادرة محطة زابوريزهزهيا للطاقة النووية، ومساعدة موسكو وكييف على التوصل إلى اتفاقات بشأن شحنات الحبوب والأمونيا، وتبادل الأسرى، وحتى وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، فإن السؤال الأكبر على الإطلاق هو: ماهي الفائدة من كل ذلك بالنسبة لأردوغان؟ وإحدى الإجابات المحتملة هي الدعم المحلي. فمع اقتراب موعد الانتخابات العامة في تركيا والمُزمع إجرائها في شهر يونيو 2023، ربما يتطلع أردوغان إلى تعزيز سجله في السياسة الخارجية، مستخدما نفوذه على بوتين لإقناع الأتراك بأن حزب العدالة والتنمية مهم لأمن تركيا ونموها الاقتصادي على المدى الطويل.

وأيا كان السبب، فإن الحقيقة هي أنه في هذه المرحلة من العلاقات التركية الروسية، هناك زعيم واحد فقط يتولى زمام الأمور، وهذا يضع أردوغان في موقف يحسد عليه، إن الطريقة التي يختار بها استخدام تلك القوة يمكن أن تعيد رسم ملامح المنطقة للعديد من السنوات القادمة.

 

نيكولا ميكوفيتش هو محلل سياسي في صربيا. يركز عمله في الغالب على السياسات الخارجية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، مع إيلاء اهتمام خاص للطاقة و”سياسات خطوط الأنابيب”.