النشاط الحركي الجريء لشركة باتاغونيا يعطي درسًا لحركة “أي أس جي” (البيئة والمجتمع والحوكمة)

جوزيف دانا

Image courtesy of Scott Olson / Getty Images North America / Getty Images via AFP

كرست عدد قليل من الشركات جهودها لخدمة القضايا البيئية على غرار شركة باتاغونيا. وكانت الشركة قد أعلنت هذا الشهر بأنها ستتبرع بجميع أرباحها والتي يزيد متوسط قيمتها عن 100مليون دولارا سنويًا لصالح كوكب الأرض. ورأى المستهلكون في جميع أنحاء العالم هذه الخطوة بمثابة تأكيد من الشركة لمبادئها وقيمها التي طالما تمسكت بها. وأولت هذه الشركة المتخصصة في الملابس الرياضية منذ بداية انطلاقها نظم وانشطة الحفاظ على البيئة على رأس عملياتها التشغيلية ومبادئها الأساسية. ورغم أن هذا القرار تاريخي، إلا أن تفاصيل هذا القرار يكتنفه بعض الغموض، وبات من الواضح بأن مفهوم مبادرات المسؤولية المجتمعية للشركات لم يعد كما كان في أعقاب هذه البادرة الجريئة.

ولطالما كان لإجراءات الحماية البيئية دورًا أساسيا في بناء العلامة التجارية لشركة باتاغونيا. وأحدثت الشركة ثورة في مجال صناعة الملابس من خلال استخدام الأقمشة المعاد تدويرها وغيرها من معايير التصنيع الصديقة للبيئة، ونتج عن تلك المعايير زيادة التكلفة الامر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار العديد من منتجات شركة باتاغونيا بما في ذلك كافة الملابس بداية من الملابس المصنوعة من الصوف وحتى بدل الغوص (التي تصنعها الشركة من مطاط طبيعي صديق للبيئة). وتعرض الشركة مناجاتها بأسعار مرتفعة، حتى باتت موضع سخرية من قبل الكثير لدرجة أنهم أطلقوا عليها مسمى “باتاغوتشي”.

وبدلاً عن تذكية النزعة الاستهلاكية المفرطة للمستهلك، بدأت شركة باتاغونيا مؤخرًا في حث العملاء على إصلاح ملابس باتاغونيا الحالية بدلاً من شراء ملابس جديدة. وتندرج حملة إصلاح الملابس وإعادة استخدامها ضمن نهج الشركة غير الملتزم بالتقاليد المتعارف عليها. وقال الملياردير السيد/ إيفون شوينارد مؤسس الشركة عند إجراء لقاء مع مجلة فاست كومباني “أنا أميل إلى النظام الاشتراكي. وأفتخر بهذا. ولم يكن المجتمع ليقبل بهذا الأمر منذ سنين قليلة مضت حتى جاء السيد/ بيرني ساندرز وطرح هذا الأمر”.

إن بيع أحد المعاطف بقيمة 400 دولارا إلى المستهلكين الأثرياء رغم ميولك إلى القيم الاشتراكية هو موقف مثير للحيرة. وما يجعل الأمر أكثر  إثارة فيما يتعلق بالعلامة التجارية لشركة باتاغونيا هي التعاقدات طويلة الأمد التي تبرمها الشركة مع الجيش الأمريكي. ولدى الشركة فريق متخصص يقدم الدعم لقيادة العمليات الخاصة للولايات المتحدة الأمريكية ويزودهم بالأزياء الرسمية الواقية أمريكية الصنع المناسبة للأجواء الباردة. ولا ينتهي الامر عند ذلك، بل إن للشركة التي تعطي اهتمامًا كبيرًا بشأن القضايا السياسية في الولايات المتحدة قسمًا خاصًا للملابس التكتيكية العسكرية والذي كان يطلق عليه “لوست أرو”. والذي يعمل بشكل وثيق مع مختلف أقسام الشرطة الأمريكية. وبذلت الشركة جهودًا كبيرة لإخفاء تفاصيل قسم لوست أرو وإيراداته، وفقًا للتحقيقات التي أجرتها مجلة جي كيو (GQ).

وإذا باعت الشركة المعدات للجيوش وأقسام الشرطة فلا حرج عليها، حيث يظهر ذلك مدى متانة تلك المنتجات، وبالحديث عن شركة باتاغونيا فإن تلك المنتجات تُظهر عبقرية العلامة التجارية للشركة. وتصنع الشركة الملايين من الملابس التي تجعل عملائها يشعرون بالقوة من المنظور البيئي والاجتماعي. وأصبح الكثير من المستهلكين في الوقت الحالي على وعي تام بتحديات تغير المناخ مع وعيهم بالطريقة التي تسبب بها البنى الاجتماعية في زيادة جشع الشركات. وتقدم شركة باتاغونيا للمستهلكين الملابس بأسعار مناسبة، والتي تدوم معهم مدى الحياة وتحافظ على سلامة البيئة.

وهناك إحدى القصص التي يحب الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك مشاركتها بشأن ستاربكس. وهي أنه بمجرد وصولك لماكينة تسجيل المدفوعات النقدية، فستجد غالبا زجاجات مياه باهظة الثمن والتي يتم الترويج لها بطريقة الوعي الاجتماعي.، حيث يذكرون لك أن الشركة ستقوم بحفر بئر ماء مقابل تلك الأموال التي تدفعها لشراء زجاجة مياه واحدة من تلك الزجاجات باهظة الثمن. ويقول الفيلسوف جيجك أن المنطق المتبع في تلك المحالة يتمثل في أن العميل يكون على وعي بأن القهوة التي تطلبها تحمل في طياتها نوعًا من أنواع الاستغلال. إذ أن مزارع القهوة في الجانب الآخر من العالم يعيش في مجتمع فقير، ويعمل في بيئة مليئة بالصعاب لتتمكن أنت من تناول فنجان من القهوة. وبدلاً من تغيير النظام الذي يسمح بحدوث هذا الأمر، تجعل شركة المياه المعبأة المستهلك يدرك مدى أهمية قراراتهم من خلال شراء أحد المنتجات داخل نظام الشركة. ولسان حال الشركة اشتر شيئًا وسوف تمد بذلك يد العون لذلك المكان البعيد.

ويأتي اٍعلان شركة باتاغونيا بأن جميع الأرباح ستذهب إلى صندوق تم إنشاؤه خصيصًا للاستثمار في مختلف الجمعيات المعنية بالبيئة والمناخ هو تجسيد من الشركة لذلك النوع من التفكير، وأبدى الكثير ترحيبهم بموقف بشوينارد المبدئي بشأن اتخاذ هذا القرار، وذلك القرار لا شك أنه جريء ولكن يجب فهمه في سياق الثروة الهائلة التي حققها بشوينارد بالفعل بالإضافة اٍلى الاستحقاقات الضريبية التي لا توصف والتي ستنهال عائلته بفضل ذلك القرار.

هناك دروس مستفادة من طريقة صياغة شركة باتاغونيا محاور علامتها التجارية التي ترتكز على المسئولية البيئية والمجتمعية وحوكمة الشركات. وعلى مدار العقد الماضي، تبنت كبرى الشركات الدولية أشكالًا مختلفة من معايير الحركة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات المصممة للحد من مخاوف المستثمرين والمستهلكين بشأن السلوك الأخلاقي للشركات. ويوجد صناديق للحركة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات يتم تداولها في أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم، وفي السنوات الأخيرة، علت أصوات المنتقدين لهذه السياسة مثل السيد إيلون ماسك قائلين بأن معايير الحركة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات هي معايير عديمة الجدوى عندما يتعلق الأمر بالسلوك الواقعي للشركات، وقد يكون لدى السيد إيلون ماسك وجهة نظر ولكن المشكلة الأكبر تكمن في الأسباب التي أدت لصياغة تلك المعايير في المقام الأول.

ويبدو أن قرار شركة باتاغونيا الجريء ونضالها الطويل بشأن المبادئ الأخلاقية للحوكمة الشركات هما وجهان لعملة واحدة. حيث يعتري جوهر النظام الرأسمالي العالمي الفساد والعفن الذي أصبح المستهلكون وبعض المستثمرين مهووسين به، ويتجلى ذلك الفساد في التوقعات البيئية السيئة وصولًا اٍلى زيادة انتشار مبدئ عدم المساواة والذي بات تتسم به العديد من المجتمعات ويعمق الانقسامات السياسية في بعض الدول مثل الولايات المتحدة، ويعلم الجميع أن تلك الأمور يحدث دون أن نحرك ساكنا.

واستطاعت شركة باتاغونيا وضع نفسها في الطرف المناوئ لذلك النظام مع تحقيق أقصى استفادة منه. وتحاول أهداف الحركة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، إلى حد كبير، القيام بالشيء ذاته اٍلا أنها فشلت في ذلك. ويجب ألا يختلط علينا الأمر، فإن قرار شركة باتاغونيا بضخ الأرباح لصالح كوكب الأرض هو قرار عظيم، والذي أرجعته الشركة لأسباب بيئية. ولكن السؤال الذي يدور في فكر القارئ الآن، إذا كان كوكب الأرض هو الآن المالك الوحيد لحصص شركة باتاغونيا، فهل للكوكب أية هواجس أخلاقية بشأن تصنيع ملابس الجيش وأقسام الشرطة الأمريكية؟

السيد/ جوزيف دانا هو رئيس التحرير السابق لـدى اٍيكسبونينشال فيو (Exponential View)؛ وهي نشرة إخبارية أسبوعية عن التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع. وعمل أيضًا كرئيس تحرير في اٍميرج 85 وهو أحد المراكز التي تستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمي.

حساب تويتر: @ibnezra.