يجب أن يأمل الفلسطينيون بأن تنضم السعودية إلى الإمارات في تطبيع العلاقات مع إسرائيل

حسين عبد الحسين

AFP photo: Jack Guez

حارب الرئيس المصري السابق أنور السادات إسرائيل ببسالة وقام بتوقيع معاهدة سلام معها بشرف، ويمكن أيضًا أن ننسب الكرامة والشجاعة إلى أفعال عاهل الأردن السابق الملك حسين. واليوم تنضم الإمارات العربية المتحدة إلى كل من مصر والأردن، وربما تدرك حكومات عربية أخرى قريبًا أنه لكل سياسية زمان ومكان، وأنه بعد مرور 72 عامًا من الصراع مع إسرائيل، لا سبيل للتقدم للأمام سوى السلام. وهناك سؤال يطرح ذاته: هل تلحق عُمان والبحرين بركب الدول التي تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل؟ والأكثر أهمية: هل ستنضم المملكة العربية السعودية؟ فكما أشار جاريد كوشنر، المستشار الخاص للبيت الأبيض ومهندس خطة السلام الإسرائيلية العربية وصهر ترامب، “لا يمكنك أن تحوّل وجهة سفينة حربية بين عشية وضحاها”، وإذا ما نحيّنا الاستعارة جانبًا، فهو لديه وجهة نظر.

منذ تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948، قادت السعودية المنطقة فيما يخص ردود الأفعال المناهضة للمشروع الصهيوني، وقامت الرياض بتمويل الحروب وعملت على التخفيف من التداعيات الاقتصادية التي نتجت عن تلك الحروب، كما استغلّت أقصى مراحل نفوذها في عام 1973 حين توقفت عن تصدير النفط مما دفع بالجميع إلى التركيز على القضية الفلسطينية.

واستغرق الأمر بعض الوقت لكن تلك الجهود آتت ثمارها في النهاية، وذلك حينما اعترفت إسرائيل مؤخرًا بالفلسطينيين كأمة لديها طموحات ومطالب بخصوص الأرض. وفي عام 1993 بلغ هذا الاعتراف الإسرائيلي ذروته عبر عملية السلام التي أسفرت عن تشكيل حكومة وطنية فلسطينية ومجلس تشريعي منتخب. أما الحكومات العربية، وخاصة دول الخليج الثرية، فقد ضخت استثمارات هائلة لدعم الدولة الفلسطينية في مهدها مما سهّل لياسر عرفات إنشاء المطار وغيرها من مشروعات البنية التحتية التي ساعدته في الحصول على بعض السيادة.

بيد أن هناك عقبتين وقفتا كعائق أمام الوصول إلى حل للمعضلة الإسرائيلية الفلسطينية: الأولى كانت شخصية عرفات المتقلبة ورفضه الالتزام بالمفاوضات (ذاك المجلس التشريعي الفلسطيني يوجد الآن بشكل صوري فقط)، وتمثلت العقبة الثانية في نهوض إيران ومعها الميليشيات الإسلامية مثل حركة حماس الفلسطينية التي أدّى خطابها المتطرف وأفعالها إلى جعل الوصول للسلام أمرًا مستحيلًا. ولا يقتصر الأمر على قطاع غزة وحسب، وإنما شمل مرحلة ما بعد صدام حسين في العراق، وفي لبنان حيث يتولّى حزب الله مقاليد الأمور، وفي اليمن حيث يقوم الحوثيين بإطلاق الصواريخ على الأراضي السعودية.

بالطبع من الخطأ أن نفترض أن إسرائيل لم تسعى لانتهاج بعض السياسات – بداية من ضم الأراضي إلى دعم الاستيلاء على الأراضي في القدس بشكل ضمني وصولًا إلى التقليل من حقوق الفلسطينيين – التي أدت لانتشار الإحباط بين المواطنين الفلسطينيين والإضرار باحتمالية الوصول إلى السلام والعدل والمساواة. إلا أن الحسابات الاستراتيجية قد تغيرت من الصراع الوجودي الثنائي بين إسرائيل والفلسطينيين إلى التهديد الوجودي متعدد المستويات الذي طال المنطقة، وتستلزم تلك التغيرات الجوهرية ردود فعل مساوية لها.

بدأ الوقت يمر منذ ذلك الحين عندما هددت إسرائيل بإقحام دول الخليج العربي في الصدامات العسكرية أو النزاع أو الدخول في حرب مباشرة مع تل أبيب (وفي النهاية، لا تزال كل من إسرائيل وفلسطين في مأزق). وبدلًا من ذلك فقد تصدرت إيران الواجهة عوضًا عن دول الخليج. وفي بعض الأحيان يستلزم القيام بحملات لتحقيق السلام إقامة تحالفات مع الذين يتعرضون للخطر بشكل مشترك، حتى ولو كان هذا الخطر هو القاسم المشترك الوحيد في بداية الأمر.

لذا فقد عدنا إلى الاستعارة الخاصة ب”السفينة الحربية”، فالقيادة السعودية كما تظهر بوضوح على يد ولي العهد الشاب محمد بن سلمان معروفة بجرأتها والسياسات الخاصة بها التي تسعى للوصول إلى نتائج، وبالطبع فإن تلك القيادة تدرك البيئة الاستراتيجية المتغيرة، لكن صناعة السياسة ليست بالأمر الهيّن، وكون المرء شجاعًا لا يعني أن يتجاهل الرأي العام ولا سيما رجال الدين المعتدلين، وهناك احتمال قوي بأن تعترف الرياض رسميًا في نهاية المطاف بأنها تشترك مع إسرائيل في ذات المخاوف الاستراتيجية، لكن الظروف الداخلية يجب أن تكون مواتية لهذا الأمر، ويبدو أن ذلك لم يحدث حتى الآن.

ولسنا بحاجة للإشارة إلى أن أية صفقة سيتم إبرامها بين السعودية وإسرائيل ستُقابل بالاستنكار، خاصة بين حلفاء الفلسطينيين من إيران أو تركيا أو الأنظمة الإسلامية الأخرى (وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط)، وكذا بين المواطنين الفلسطينيين، لكن على الشعب الفلسطيني إدراك أنه سواء قدّمت القيادة الفلسطينية لحلفائها العرب رؤية واضحة – ذات جدول زمني – حول خطط القيادة الفلسطينية لتحقيق السلام مع إسرائيل أو تركت حلفائها من الدول العربية تبحث عن مصالحها الخاصة، يجب على الشعب الفلسطيني ألا يتوقّع أن دول المنطقة سترضى بتعليق احتياجاتها في انتظار القيادة الفلسطينية للوصول إلى قرار حول ما تريده وماهية الخطط التي ستعتمدها لتحقيق هذا الهدف بشكل واقعي.

ومن جانب آخر فإن إسرائيل التي ستصبح معتمدة على الدول العربية فيما يخص الاستثمارات والتجارة والتعاون التكنولوجي وربما العسكري؛ ستصبح أكثر تجاوبًا مع الدول العربية التي تدعم الفلسطينيين، وربما تحصل الإمارات على تلك الميزة قريبًا، ويجب أن يأمل الفلسطينيون في أن تكون السعودية قادرة على ممارسة ضغوط مماثلة لأجل الشعب الفلسطيني.

ومن ثم سيعود الأمر بالفائدة وتحقيق غاية ومصلحة الفلسطينيين إذا ما أصبحت تلك “السفينة الحربية” قادرة على تغيير وجهتها بشكل سريع، والواقع أن الشعب الفلسطيني يجب أن يشجع على تغيير وجهة تلك السفينة.

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب صحيفةالرايالكويتية اليومية في واشنطن، وهو زميل زائر سابقًا في معهدتشاتام هاوسبلندن.