الانتخابات الفلسطينية المتأخرة باتت بمثابة طوق النجاة لجيل قد مضى

فيصل اليافعي

AFP photo: Mohamad Torokman

من المثير للعجب بعض الشيء – بالنظر إلى أنه منذ أسابيع قليلة بدا وكأن التقارب بين الفصائل الفلسطينية المتنافسة أمر بعيد المنال – أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن إجراء الانتخابات خلال العام الحالي، وقد مضى 15 عامًا على إجراء آخر انتخابات برلمانية، ومضى 16 عامًا على آخر انتخابات رئاسية، والواقع المثير للدهشة بشكل هائل هو أن المرة الأخيرة التي صوّت فيها الفلسطينيون من أجل اختيار رئيس لهم كانت من أجل اختيار خليفة لياسر عرفات.

وبما أن تلك الفترة تعُد طويلة للغاية فقد شهدت السياسة على مستوى الشرق الأوسط تحولات منذ ذلك الحين، وحين رحل عرفات في أواخر العام 2004 لم تكن تبعات حرب العراق قد ظهرت بصورة واضحة، وكان قد مضى حينها عامين على الحرب الوحشية شديدة الأهمية بين حماس وإسرائيل، كما أن ثورات الربيع العربي كانت بمثابة درب من دروب الخيال.

ولم يتضح حتى الآن بصورة كاملة ما إذا كانت الانتخابات سوف تتم خلال الصيف القادم، لكنها إن تمّت فإن المسألة ستكون أكبر من مجرد تحول ديمقراطي تشهده فلسطين، وستكون بمثابة الملاذ الأخير لجيل سياسي مضى أجله.

والأمر لا يتعلّق فقط بالعُمر – على الرغم من أن عباس قد بلغ 85 عامًا – إلا أنه يتعلّق بالأفكار.

والفكرة المحورية التي قامت عليها السياسة الفلسطينية خلال فترة حكم محمود عباس كانت قائمة على حل الدولتين، لكن تلك السياسة التي تعُد محور اتفاقات أوسلو التي تم التوقيع عليها في العام 1993 باتت غير ذي نفع من الوجهة السياسية، فقد تعرضت تلك السياسة للهجوم من جميع الأطراف، وباتت تحظى بالقليل من الدعم السياسي ومن ثم أصبحت شبه ميتة، وبالنظر إلى واقع الأمور فإن تشكيل جبهة جديدة تضم بعض الدول العربية وإسرائيل ومع وجود التهديد القادم من إيران فقد باتت تلك السياسة مقطوعة الصلة بالقضية الفلسطينية.

ولا يوجد سياسي واحد في فلسطين أو إسرائيل مرتبط بحل الدولتين أكثر من عباس، وإعلان عباس منذ 15 عامًا عن الحفاظ على إرث عرفات والوصول إلى سلام مستمر لم يتحقق على الأرض، وما زال عباس مصممًا على المضي في ذات الطريق، لكن هناك جيل جديد ينتظر الفرصة لتحقيق السلام، سواء حدث ذلك خلال العام الحالي أو في وقت قريب.

وهذا التحول من قيادة عباس إلى قيادة أخرى سيتبعه تغيير للهدف الذي ساد طويلًا وهو حل الدولتين، وحين يحدث هذا سيبدو الأمر وكأنه مجرد خطوة صغيرة تم الوصول إليها، لكنه سيكون فعليًا بمثابة إعلان عن زلزال سياسي.

وقد اعتمد رد فعل المجتمع الدولي تجاه فلسطين على مدار 3 عقود على اتفاقات أوسلو، والواقع على الأرض لا يدعم تلك الاتفاقات، لكن المال السياسي الضخم الذي تم استثماره بدا وأنه من المستحيل أن يدعم تلك الاتفاقات، لكن يبدو أن عباس هو القائد الفلسطيني الأخير الذي سيظل ملتزمًا باتفاقات أوسلو، وإذا ما فشل عباس في تحقيق تلك الطموحات، أو إذا ما غادر منصبه خلال الصيف القادم فإن هناك جيل جديد سوف يبحث عن إجابة جديدة – غالبًا ما ستكون بمثابة حل الدولة الواحدة.

وهناك بالتأكيد أصوات داخل فلسطين وإسرائيل وعواصم الشرق الأوسط بل وفي عواصم دول العالم تنادي بالتخلي عن اتفاقات أوسلو، لكن الأفكار الهامة لا يمكن القضاء عليها بسهولة، ونهاية اتفاقات أوسلو ستكون بمثابة زلزال سياسي ما لم يكن هناك بديلًا واقعيًا لها.

وحتى الآن هناك شعور منتشر بين اليمين الإسرائيلي بأن حل الدولتين “يمكن التخلي عنه”: وذلك عبر توفير المزيد من القوة للسلطة الفلسطينية وربما تقديم عاصمة للفلسطينيين لن تكون القدس بطبيعة الحال.

وتلك ستكون بمثابة فكرة غريبة الأطوار وغير واقعية، والقضية الفلسطينية تحتاج إلى قرار حاسم وليس مجرد براعة في الأداء، ولو أن رحيل جيل سياسي سيأخذ معه أفضل الأفكار التي تبنّاها هذا الجيل لتحقيق السلام فإنه لا مفر حينئذ من وجود أفكار جديدة، والتاريخ لن ينتظر كثيرًا.

والواقع أنه ما من أحد على استعداد لهذا التحول، لا إسرائيل ولا باقي الدول العربية ولا سائر دول العالم ولا حتى الفلسطينيين أنفسهم، والحقيقة أن تحويل مسار القضية الفلسطينية من حل الدولتين إلى حل الدولة الواحدة سيكون أمرًا خطيرًا وله تبعات هائلة.

ومن ناحية، فإن المنظومة الضخمة من السيطرة ونقاط التفتيش التي تحاصر الضفة الغربية هي ذاتها نتاج لاتفاقات أوسلو، ومنذ ذلك الحين أي منذ ربع قرن قامت إسرائيل بتوسيع ما اصطُلِح على تسميته بالإجراءات الإدارية المؤقتة، وشرعية تلك الإجراءات ترتبط باتفاقات أوسلو، أما انهيار اتفاقات أوسلو وسقوط تلك القشرة الرقيقة من الشرعية سيجعل إسرائيل تعاني من أجل تفسير استمرار تلك المنظومة الأمنية.

أما بالنسبة للداخل الفلسطيني فإن حل الدولة الواحدة سيكون بمثابة برنامجًا سياسيًا جديدًا، وسيؤدي ذلك إلى ظهور قادة جدد يمثلون إرادة التحدي أمام القادة التقليديين، والواقع أن هناك ساسة من الممكن لهم استغلال حل الدولة الواحدة لتحدّي عباس خلال انتخابات الصيف القادم، وعملية انتخاب رئيس فلسطيني جديد على أساس حل الدولة الواحدة سيكون بمثابة تحدِ سياسي هائل يواجه إسرائيل والاتحاد الأوربي والرئيس الأمريكي الجديد.

وبالنسبة للعديد من القضايا على مستوى الشرق الأوسط فإن الرئيس الأمريكي الجديد من الممكن أن يكون بمثابة العامل المحدد لاتخاذ القرارات، وهناك تشابه مثير للدهشة بين كل من عباس وجو بايدن، فكلاهما يعُد وريثًا لسلف كان يتمتع بالفاعلية، وكلاهما على يقين أن وقته في السُلطة ربما يكون محدودًا – وقد أعلن بايدن خلال الحملة الانتخابية أنه ربما يترشح لفترة رئاسية واحدة، وكلاهما يرى جيلًا صاعدًا يأتي من خلفه ويصارع من أجل أن يعكس أفكار هذا الجيل وأن يحتويه ايضًا، وكلاهما يعلم أن هذا الجيل ربما يكون متطرفًا بحيث يعجز تيار الوسط عن التعامل معه.

والفارق هو أن بايدن تم انتخابه على أساس برنامجه من أجل التغيير، وهو ما لا يتوافر لعباس، وحصول عباس على فترة رئاسية ثانية كرئيس للفلسطينيين لن يكون بمثابة فرصة للتغيير بل سيكون فرصة لاستمرار الوضع الراهن، بل أنه سيكون بمثابة آخر فرصة من أجل استمرار الوضع الراهن.

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.