باكستان تدفع ثمنا باهظا للاضطرابات الداخلية

Arif Rafiq

Image courtesy of Asif Hassan / AFP

ترنح الاقتصاد الباكستاني على وقع الفيضانات الضخمة التي وقعت في هذا الصيف والتي حصدت آلاف الأرواح وألحقت أضرارا ودمارا بمليارات الدولارات.

وعلى الرغم من خطة الإنقاذ التي قدمها صندوق النقد الدولي، فإن وضع الحساب الدولي لباكستان لا يزال محفوفا بالمخاطر، وتغطي احتياطيات النقد الأجنبي المتاحة أقل من شهرين من الواردات، كما أن الصادرات والتحويلات في انخفاض مستمر.

ولا تزال أخطار التخلف عن السداد في باكستان، كما تعكسها مبادلة العجز عن سداد الائتمان، في الارتفاع. وتصنيفها الائتماني السيادي في حالة يرثى لها، ومن غير المؤكد تسليم الدفعة التالية من صندوق النقد الدولي حيث يصر الصندوق على أن تضاعف باكستان في تحصيل الإيرادات.

والصورة الأكبر هي أكثر صعوبة، حيث يمكن القول إن باكستان هي الرجل المريض في جنوب آسيا، فقد تجاوزتها نظيراتها في المنطقة مثل بنغلاديش والهند منذ فترة طويلة في مؤشرات التنمية البشرية مثل وفيات الرضع ومحو الأمية والدخل القومي الإجمالي.

ومع ذلك، يركز حكام باكستان على سؤال غير مهم لرفاهية شعبها البالغ عدده 220 مليون نسمة، والسؤال هو: من سيقود الجيش؟

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أمضى رئيس الوزراء شهباز شريف خمسة أيام في لندن يتداول مع شقيقه، رئيس الوزراء السابق نواز شريف، حول تلك المسألة بالذات.

والخيارات المطروحة أمامهم هي: تمديد ولاية قائد الجيش الحالي، الجنرال قمر جاويد باجوا، إلى ما بعد تاريخ تقاعده المقرر في 29 نوفمبر، أو اختيار بديل من بين كبار القادة.

وبعد أيام من عودة شريف إلى إسلام أباد، أعلن منافسه الرئيسي، رئيس الوزراء السابق عمران خان، أن ما يسمى بالمسيرة الطويلة ستصل إلى روالبندي مقر الجيش الباكستاني في 26 نوفمبر.

ومن الواضح أن هذا التاريخ، الذي يسبق نقل باجوا لرئاسة الجيش إلى خليفته، يهدف إلى التأثير على انتقال قيادة الجيش أو حتى فرض أزمة دستورية.

وضاعف اختيار قائد الجيش الباكستاني المقبل وموعد الانتخابات العامة المقبلة من حدة الاضطرابات السياسية منذ عزل خان في تصويت بحجب الثقة في شهر أبريل. ويجب إجراء الانتخابات بحلول الخريف المقبل. ويود خان الذي يحظى بشعبية، والذي نجا من محاولة اغتيال في 3 نوفمبر، أن تحدث في وقت أقرب، ويرغب كل من خان والشريفين في أن يكون قائد الجيش القادم شخصا حليفا أو على الأقل ليس خصما.

ويعكس تركيز النخبة السياسية على اختيار قائد الجيش التأثير التاريخي والكبير وغير الدستوري للجيش الباكستاني، حتى وهو لا يحكم البلاد مباشرة.

وقد عمل قائد الجيش الحالي، باجوا، كصانع قادة خلال فترة ولايته، حيث سهل صعود خان إلى السلطة في عام 2018، وساعد في الحفاظ على حكمه، ثم دبر سقوطه من السلطة. وكان انفصال باجوا من خان مبررا جزئيا بمزاعم أن ذلك سيساعد في إنعاش الاقتصاد الباكستاني وتحسين علاقاتها مع الشركاء الأجانب المقربين.

ولكن الاضطرابات السياسية هذا العام لم تؤدي إلا إلى تراجع باكستان، الأمر الذي أدى إلى تفاقم مشاكلها الاقتصادية وإضعاف مكانتها على خشبة المسرح الدولي، وتحجم القوى العالمية والإقليمية عن اتخاذ قرارات سياسية كبرى حول باكستان إلى أن يستقر الوضع سياسياً.

وتتواتصل واشنطن بحذر مع إسلام أباد وروالبندي في الوقت الذي تسعى فيه لتجنب المزيد من التورط في صراعات السلطة المحلية. ويعزى تأجيل زيارة ولي عهد السعودي محمد بن سلمان إلى إسلام أباد هذا الشهر جزئيا إلى مسيرة خان الطويلة. وحتى علاقات باكستان مع أقرب شريك لها الصين تلقت ضربات موجعة.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، عاد رئيس الوزراء شريف من زيارة رسمية إلى بكين خالي الوفاض. وجاءت رحلته الأولى إلى الصين كرئيس للوزراء، بعد أكثر من 200 يوم في منصبه، وبعد أطول فترة منذ تولي السلطة لأي رئيس حكومة باكستاني هذا القرن. وعلى سبيل المقارنة، زار شقيقه نواز بكين في عام 2013 بعد شهر من توليه منصبه، وقام خان بأول رحلة له إلى الصين في عام 2018 بعد أقل من 80 يوما من توليه منصب رئيس الوزراء.

إن غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي سيُثني المستثمرين من البلدان الصديقة التي تحتاجهم باكستان للخروج من هذه الأزمة الاقتصادية.

لقد اعتادت النخب الباكستانية على استجابة المجتمع الدولي لاحتياجاتها، لأن البلد المسلح نوويا ينظر إليه على أنه أكبر من أن يسمح له بالفشل. ولكن يتعين على تلك النخب التكيف مع الوضع الطبيعي الجديد. لقد انتهى عصر حزم المساعدات الضخمة، وبدلا من ذلك، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر أمر بالغ الأهمية لوضع باكستان على طريق النمو الاقتصادي المستدام.

ولكن باكستان لن تعتبر شريكا موثوقا به أو سوقا يمكن الاعتماد عليه إلا إذا استعادت زمام أمورها. أولا وقبل كل شيء، على الجيش الباكستاني الابتعاد عن العملية السياسية، حيث لا يمكن للبلد أن يعيش قيادته تحت رحمة التعيينات البيروقراطية.

وللخروج من هذه الأزمة، يتعين على الحكومة والمعارضة الاتفاق على مرشح توافقي لمنصب قائد الجيش، ووضع جدول زمني لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وبدء محادثات حول الإصلاحات الاقتصادية وإصلاحات الحوكمة العميقة، وستعمل القوة الداخلية على دعم العلاقات الخارجية الباكستانية كما فعلت مع الهند.

وتتودد واشنطن بقوة إلى نيودلهي، حتى في الوقت الذي تظل فيه الهند شريكا وثيقا مع موسكو. والواقع أن القوة الاقتصادية للهند، المتجذرة في الإصلاحات الاقتصادية التي قام بها وزير المالية آنذاك مانموهان سينغ في عام 1991، تشكل الأساس لاستقلالها الاستراتيجي وسعيها الواضح خلف مصالحها الوطنية.

وكانت إصلاحات سينغ، التي بدأت في خضم الأزمة الاقتصادية عام 1991، إيذانا بثلاثة عقود من النمو الاقتصادي. ويتعين على النخبة الباكستانية أيضا اغتنام الفرصة في فترة الاضطرابات هذه.

 

عارف رفيق هو رئيس شركة فيزر للاستشارات ذ.م.م، وهي شركة استشارية للمخاطر السياسية تركز على الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وباحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط

. تويتر: @arifcrafiq