لا تزال فرنسا في المركز الثاني عالمياً كما كان حالها في قطر

فيصل اليافعي

Image courtesy of Kirill Kudryavtsev / AFP

 قفز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على قدميه من شدة الفرحة بعد ما سجلت فرنسا هدفها الأول في نهائي كأس العالم. ولكن في نهاية المباراة، بعد أن انضم إلى اللاعبين الفرنسيين المهزومين على أرض الملعب، كان مكتئبا. لقد كان مشهدا يعكس متاعب ماكرون السياسية على المسرح العالمي، من السفر المتواصل، والأداء النشط ولكن لا يزال، في صراعاته مع روسيا ومع الولايات المتحدة أو مع ألمانيا، يحتل المرتبة الثانية.

وهو الآن في السنة الأولى من ولايته الثانية كرئيس، ومع خروج المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من الصورة وخروج بريطانيا إلى خارج الدائرة الداخلية للاتحاد الأوروبي، أصبح ماكرون السياسي البارز في أوروبا والشخص الذي يؤمن بحماس بأوروبا ويريد أن يفعل الأشياء بشكل مختلف، ومع ذلك، في خضم التحديات الهائلة، لا يبدو أنه يستطيع الحصول على عدد كاف من الناس للاتفاق معه.

وكان غزو روسيا لأوكرانيا هو أكبر التحديات، وفي الفترة التي سبقت انتخابه في شهر أبريل، استفاد ماكرون من المكتب الرئاسي لإظهار صورة رجل دولة، على عكس منافسيه. لكن بعد انتخابه، سعى ماكرون إلى أن يكون المحاور الغربي الرئيسي مع فلاديمير بوتين، وهو الدور الذي وضعه في بعض الأحيان على خلاف مع بقية الدول الأوربية.

وحمل هذا الشهر أحدث خلاف له مع باقي الدول الأوربية، حيث أشار ماكرون في مقابلة إلى أنه يجب تقديم ضمانات أمنية لروسيا كجزء من أي مفاوضات مستقبلية لإنهاء الحرب. وقال: “إحدى النقاط الأساسية التي يجب أن نعالجها … هو الخوف [الروسي] من أن يأتي الناتو إلى عتبة بابه”. وأثارت تصريحاته ردا رسميا من عدة دول في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك دول البلطيق الثلاث، وكذلك بالطبع رد من أوكرانيا.

في قلب هذا الخلاف توجد رؤيتان سياسيتان مختلفتان لمكانة روسيا في أوروبا أو بجوارها. وتشعر دول البلطيق وأوكرانيا ودول أخرى بأنها عرضة للتعدي الروسي مثل بولندا، التي ترى أن روسيا تشكل تهديدا مباشرا، وتريد بل تتوقع من القوى الغربية احتواء ذلك التهديد.

وتشعر تلك الدول بالقلق من أن فرنسا تقبل ضمنيا الرواية الروسية بأن توسع الناتو كان سببا في نشوب الحرب، وأشار وزير الخارجية الليتواني السابق إلى أن روسيا لديها كل الضمانات الأمنية التي تحتاجها، طالما أنها لا «تهاجم أو تضم أو تحتل جيرانها».

ويملك ماكرون رؤية مختلفة، حيث يدرك، كما قال، أن روسيا ستستمر في لعب دور الجار لأوروبا حتى بعد الغزو، وبالتالي هناك حاجة إلى رؤية أمنية لا ترى موسكو كعدو إلى أخر الزمان.

ولا تضعه تلك الرؤية ماكرون في خط معاكس مع جزء كبير من أوروبا فحسب، بل لا يبدو أنها أسفرت عن أي نتائج ملموسة. فعلى الرغم من كل محادثاته مع بوتين، لم توقف دبلوماسية ماكرون الغزو، ولا يبدو أنها أدت إلى أي تخفيف لهيب الحرب، وربما استمع بوتن بأدب إليه أمام الجمهور، ولكن من الواضح أنه لم يغير رأيه.

وينطبق الشيء نفسه على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. حيث سافر ماكرون إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات في نهاية شهر نوفمبر، وشابهت تلك الزيارة الهجوم اللطيف، ومرة أخرى، كان هناك نقطة خلاف رئيسية بين قوتين عظيمتين وكانت نقطة الخلاف تلك هي  سعر الغاز الأمريكي.

وغضب ماكرون لأن الولايات المتحدة تبيع مخزوناتها من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا مقابل ما يقرب من أربعة أضعاف سعره المحلي، وقال ماكرون إن الولايات المتحدة “منتجة للغاز الرخيص الذي يبيعونه لنا بسعر مرتفع”. ويقول إن هذه ليست الطريقة التي من المفترض أن يتصرف بها الحلفاء، خاصة عندما يكون من المفترض أن يظهروا جبهة موحدة ضد روسيا. ويتفق أغلب الأوروبيين معه حول ذلك.

ومع ذلك، وعلى الرغم من الحديث الموسع من جو بايدن عن العلاقات الوثيقة والحرب في أوكرانيا، لم يكن هناك تحرك يذكر بشأن الخلاف الرئيسي لماكرون: فالوقوف جنبا إلى جنب مع كييف يفرض خسائر فادحة على الأوروبيين أكثر من الأمريكيين.

وعلى مقربة من الوطن، يحقق ماكرون نجاحا محدودا، فالعلاقة بين باريس وبرلين ضرورية للاتحاد الأوروبي بشكل عام، لكن يبدو أن هناك خلافات ما بين ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس.

وعلى وجه الخصوص، يبدو أنهم في خلاف تام عندما يتعلق الأمر بالدفاع، فلطالما كان ماكرون مؤيدا لأن تكون الدول الأوروبية أقل اعتمادا على الولايات المتحدة في قضية الدفاع.

وإذا كان هناك أي شيء يمكن أن يقنع برلين بفكرة الاستقلالية، فهي حربا كبرى على الأراضي الأوروبية. ولكن فرنسا تعتقد أن “شولتس” يمارس المراوغة: فمن ناحية، أعلن فجأة عن تغيير تاريخي في فبراير وأنفق 100 مليار يورو لتحديث القوات الألمانية. ومن ناحية أخرى، أعلن فجأة في شهر أكتوبر أن المانيا تعتزم إنشاء نظام دفاع جوي وصاروخي بالتعاون مع 14 دولة أخرى من دول حلف شمال الأطلنطي وهو ما استبعد فرنسا بشكل واضح، وهي القوة الوحيدة المسلحة نوويا في الاتحاد الأوروبي. فحتى عندما تقبل حجج ماكرون، فإن حلوله لا تلقى أي قبول.

وكما هو الحال مع الأداء الفرنسي على أرض الملعب، فإن فشل ماكرون لا يرجع إلى نقص المواهب. بل على العكس من ذلك، كان نشطا في دبلوماسيته، وحاول بشكل خاص في الولايات المتحدة إيصال رسالته إلى كل من الساسة والجمهور. ولكن هناك اختلافات فلسفية في النظرة الفرنسية للعالم، والعقبات السياسية في موسكو، وفي واشنطن، وفي برلين هي ببساطة أكبر من أن يتحملها رجل واحد أو بلد واحد، والسياسة مثل كرة القدم هي رياضة جماعية وليست فردية.

 

يقوم فيصل اليافعي حاليا بتأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق دائم على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية. وقد عمل في قنوات إخبارية مثل الجارديان وبي بي سي، وقدم تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.

 تويتر: @FaisalAlYafai