المشاكل الاقتصادية لدولة عمان تلقي الضوء على الدول الأخرى المنتجة للطاقة في الشرق الأوسط

روبن ميلز

AFP photo/Mohammed Mahjoub

في هذا الشهر، خفضت مؤسسة “موديز” التصنيف الائتماني لسلطنة عمان إلى ما دون التصنيف الاستثماري. وحاولت السلطنة، والتي كثيرًا ما تكون حالة تجريبية لباقي دول المنطقة، جاهدة أن تنأى باقتصادها عن الاعتماد على النفط. غير أن تخفيض تصنيفها الائتماني جاء ليدل على مدى صعوبة الاستغناء عن النفط، فضلاً عن كونه تحذير لبقية دول هذه المنطقة.

وفي ردٍ على تراجع موقفها المالي، صنفت مؤسسة “موديز” السندات طويلة الأجل في سلطنة عمان عند “Ba1” مع توقعات سلبية، بعد أن كان تصنيفها عند “Baa3″، وهو أدنى مستوى للتصنيف الاستثماري. وكانت وكالة “فيتش” قد خفضت بالفعل التصنيف الائتماني للبلاد إلى “BB+” في ديسمبر، وخفضت “ستاندرد آند بورز” التصنيف الائتماني للبلاد إلى غير مرغوب فيه في وقت مبكر من مايو 2017. وعانت سلطنة عمان من عجز في ميزانيتها حتى في عام 2014، قبل أن تسجل أسعار النفط انخفاضًا حادًا في أواخر هذا العام. وقلصت سلطنة عمان بشكل مطرد من العجز في ميزانيتها منذ عام 2016، غير أن العجز مازال يفوق إجمالي الناتج المحلي بنسبة “9%”، ولم تتخذ البلاد سوى خطوات قليلة لتقليص هذا العجز، ولن ينقذها سوق النفط من هذا الموقف.

إن دعم عمان على المدى القصير بخصوص الاتفاق مع منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” وروسيا وبعض الدول الأخرى لخفض الإنتاج كان له الأثر على المدى القصير في زيادة أسعار النفط. وربما كان خفض الإنتاج خطوة ضرورية بعدما انخفض سعر خام “برنت” إلى ما دون 28 دولارًا للبرميل في يناير 2016. ولكن لإعادة أسعار النفط إلى سابق عهدها، تخلت مجموعة “أوبك بلس” عن حصتها في السوق وعززت مكانة منتجي النفط الصخري ومناطق أخرى، وبهذا تبدد شعار “سعر أقل لفترة أطول” والذي هيمن على صناعة النفط على مدار العام 2016، وهو ما شجع على تجدد الاستثمار في هذه الصناعة.

هذا وقد امتثلت مجموعة “أوبك بلس” امتثالاً شبه كامل بخطتها الخاصة بخفض الإنتاج، وساعدها في ذلك الخسائر غير المتوقعة التي تعرضت لها إيران وفنزويلا، وخفض الإنتاج المتعمد في كندا، والاقتصاد العالمي القوي إلى حد معقول. ومع ذلك، وحتى في ظل تلك الظروف الإيجابية، لم يتجاوز سعر برميل النفط “67” دولار للبرميل.

وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تواصل الولايات المتحدة الأمريكية وبقوة إنتاجها من النفط الصخري حتى عام 2024، وأن ترفع الدول الأخرى المنتجة للنفط من خارج أوبك فضلاً عن الدول الأعضاء في أوبك مثل العراق من قدرتها الإنتاجية. وبالطبع، قد تؤدي الاضطرابات الجيوسياسية إلى ارتفاع مؤقت في أسعار النفط، غير أن التهديد الأكبر هو تباطؤ الاقتصاد العالمي، والذي يؤدي إلى تراجع أسعار النفط مرة أخرى.

ومع مرور كل عام سيتضح أكثر تداعيات هذا القرار. وفي العام الماضي، انخفض إجمالي مبيعات السيارات في الصين والولايات المتحدة وأوروبا – وكان الانخفاض حاد في الصين – ورغم ذلك، نمت مبيعات السيارات الكهربائية بقوة. وإذا ظل الأمر على هذا النحو، فمن المتوقع في غضون سنوات قليلة أن يبدأ أسطول السيارات ذات محرك الاحتراق الداخلي في الانكماش مع تحويل السيارات القديمة إلى خردة. وحتى يُكتب السيارات التي تعمل بالنفط البقاء، فمن الواجب عليها أن تكون أكثر كفاءة – ويعني هذا، بالطبع، أن تقلل من استهلاكها.

وستواجه القطاعات الأخرى التي يعتمد عليها مصدرو النفط لزيادة الطلب على النفط – وهي قطاعات الصناعة والبتروكيماويات والشاحنات الثقيلة والقطارات والسفن والطائرات – ضغوطًا متزايدة نظرا للتنوع بين الطاقة المتجددة والبطاريات والوقود الصناعي.

وعلى الرغم من هذه النظرة القاتمة طويلة الأجل، فإن الأسعار المرتفعة مؤقتًا قد خففت الحاجة الملحة إلى إجراء إصلاح على مستوى دول الخليج، بما في ذلك العاصمة “مسقط”، ولاسيما بعدما تجاوز أسعار النفط “80” دولارًا أمريكيًا للبرميل في نوفمبر. ولكن في ظل الأسعار المتوقعة في المستقبل، وفي ظل عدم إجراء إصلاحات جوهرية وصعبة ومؤلمة، فستواجه جميع الدول المصدرة للنفط تقريبًا عجزًا كبيرًا في الميزانية لا مفر منه، وبدون جني عائدات أخرى من الصادرات الرئيسية، فإن عجز الحساب الجاري سيضع العملات المرتبطة تحت الضغط. وفي عام 2016، م كان من المفترض أن سعر “87”دولار أمريكي للبرميل هو السعر الذي تحتاجه عمان لتشغيل فائض الحساب الجاري؛ وتحتاج البحرين إلى سعر “92” دولار أمريكي للبرميل.

وتشهد عمان وضعًا أضعف من جيرانها الآخرين. وفي حقيقة الأمر، تدير عمان صناعة الطاقة إدارة جيدة ومبتكرة من الناحية الفنية. وسعت عمان إلى تحقيق أقصى استفادة من مواردها من خلال المصافي الجديدة والصناعات البتروكيماوية وتخزين النفط والمشاريع التجارية، إلى جانب الاقتصاد غير النفطي – كالموانئ والتعدين والمعادن والسياحة، غير أن هذه الاستفادة ستظل مجرد تعويضًا عن الدراسة الصعبة لجيولوجيا الأرض.

إن إنتاج النفط في السلطنة هو الأقل من نظيره في دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء البحرين، وأقل من المنافسين الآخرين الكبار أمثال إيران والعراق، وتعوض عمان هذا القدر الضئيل من إنتاج النفط من خلال صادرات الغاز الطبيعي المسال. ويعتمد الإنتاج الجديد على الاستخلاص المعقد المعزز للنفط، وينتج عن هذه العملية استخلاص ملايين البراميل يوميًا من المياه المستعملة، وتكوينات الغاز منخفضة المسامية الموجودة على عمق والمكسرة هيدروليكيًا. وقد أدى ذلك إلى استمرار الإنتاج، ولكن بتكلفة أعلى، مما جعل صافي عوائد الدولة محدودة.

وفي الوقت الحالي، لا يوجد على سلطنة عمان أي دين يجب رده على الفور، كما أن احتياطيات النقد الأجنبي كافية. وعلى المدى الطويل، أو إذا انخفضت أسعار النفط بحدة مرة أخرى، فقد يواجه الريال العماني المربوط بالدولار ضغوطًا لخفض قيمته، وقد تكون هذه طريقة لفرض تسوية مالية لم يكن للحكومة أن تنفذها – عن طريق خفض القيمة الدولارية لالتزامات الدولة في الرواتب والمزايا.

إن تخفيض قيمة العملة لن يكون سببًا فعالاً في تدعيم صناعات التصدير العمانية على الفور، وتشتمل “86%” من الصادرات العمانية على النفط والغاز والبتروكيماويات وبعض المواد الأساسية الأخرى مثل الحجر والمعادن، علمًا بأن تكلفة الصادرات تكون في الغالب بالدولار الأمريكي. وسرعان ما ستستخدم هذه العملة الأضعف في سداد الأجور المرتفعة للعمالة الأجنبية، والتضخم، والمطالب المحتملة لموظفي الدولة نظرا لزيادة تكاليف المعيشة.

وتمتلك البحرين أسوأ تصنيف من مؤسسة “موديز” وهو “B2″، وتتأخر عن تصنيف دولة عمان بأربع درجات، بسبب عبء كبير جدًا من الدين – وهو “88%” من الناتج الإجمالي المحلي – وعدد قليل من الأصول الأجنبية. ورغم ذلك كان من المتوقع دومًا أن المنامة، في ظل اقتصادها البسيط وصلتها الوثيقة بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على الصعيد السياسي، سيتم إنقاذها إذا لزم الأمر. وبالفعل، في أكتوبر / تشرين الأول، تعهد حليفا المنامة، بالإضافة إلى الكويت، بتقديم حزمة من الدعم المالي نظير أن تنفذ المنامة إصلاحات اقتصادية ومنها تطبيق ضريبة القيمة المضافة وخفض الإعانات والإنفاق.

إن عمان حالة بالغة الصعوبة. على الرغم من كونها عضوًا في مجلس التعاون الخليجي وصديقة للغرب، فإنها لم تنضم إلى مقاطعة قطر، وتحافظ على روابطها السياسية مع إيران. وعلى الرغم من أن جيرانها الخليجيين قد دعموها مالياً في الماضي، فقد يطلبون هذه المرة المزيد نظير المساعدة، وبخاصة ممن يخلف السلطان قابوس، لأنه سيفتقر إلى صلاحياته.

وربما لن تظهر الأزمة في الوقت الراهن، ولكن للحفاظ على حرية قرارها، بل حتى استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، تحتاج عمان إلى صناعات التصدير غير النفطية والمستدامة لتوفير الضرائب الكافية، المباشرة أو غير المباشرة، لتمويل الحكومة وخلق فرص عمل للمواطنين. وإذا تمكنت عمان من كسر الشفرة التي لم تنجح في كسرها سوى عدد قليل من الدول النفطية الأخرى، فستكون عمان نموذجًا يستحق الاقتداء به، وإذا لم تتمكن من كسر تلك الشفرة، فهذا نذير بحدوث مشكلة أسوأ في أنحاء المنطقة.