عمان تجلس على مفترق طرق

روبن ميلز

AFP photo: Mohammed Mahjoub

في عام 1955 انطلق موكب استكشافي من المركبات من ميناء صلالة الذي يقع جنوبي عمان متوجهًا إلى داخل البلاد. واستخدم السلطان سعيد بن تيمور والوفد المرافق له، بما فيهم الكاتب البريطاني الرحال جان موريس، مركبات شركة النفط في طريقهم إلى منطقة فهود التي تقع جنوب جبال عمان. أكدت تلك الرحلة الأولى لعبور عمان باستخدام السيارة على سيطرة السلطان على القبائل المحلية والثروة النفطية المرتقبة. ومنذ ذلك الحين، قامت السلطنة بتوسيع عملية استخدامها لمواردها المحدودة نسبيًا من المصادر الهيدروكربونية لأجل بناء دولة حديثة. ومع ذلك، في ظل وفاة سلطان عمان وهو السلطان قابوس بن سعيد الذي يبلغ عن عمر يناهز 79 عامًا، صرح ابن السلطان أن اقتصاد البلاد وموقفها السياسي الخارجي قد أصبحا عرضة للخطر حديثاً. علاوة على أن استمرار السلطنة في الاعتماد على النفط بات يمثل عائقًا أمام تقدمها، وسوف يتم مراقبة تجربة السلطنة في تنويع مصادر الطاقة عن كثب على مستوى المنطقة.

لقد اكتُشِف النفط في سلطنة عمان في وقت متأخر نسبيًا، بعد أن اكتُشِف لدى الدولتين المجاورتين لها: أبوظبي والمملكة العربية السعودية. ففي عام 1964، بعد أن تركت شركة بريتيش بتروليوم المنطقة بعد عدة اختبارات سلبية لاكتشاف النفط، حالف الحظ المشروع الذي قادته شركة شل في فهود، حيث نجح في اكتشاف حقل للنفط على مسافة 400 متر من بئر الحفر الأساسي الجاف، وبعد ذلك توالى اكتشاف مجموعة من حقول النفط. وعلى الرغم من تدفق عائدات النفط، إلا أن السلطان سعيد لم يكن يؤمن “بالتنمية”. وحينما قام نجله قابوس بخلعه من الحكم في عام 1970، لم يكن يوجد بالبلاد سوى 6 أميال من الطرق الممهدة وثلاثة مدارس واثنتين من المستشفيات.

وقد استخدم السلطان قابوس موارده النفطية الأكثر محدودية، مثلما يستخدمها نظرائه من حكام منطقة دول الخليج في تأسيس دولة مركزية قوية، كما نجح في القضاء على الانفصاليين في منطقة ظفار الجنوبية في عام 1976 بمعاونة بريطانيا وشاه إيران، وتأسيس بنية تحتية عصرية وشراء الأسلحة وبناء منظومة للرفاهية وتوظيف الشباب في مؤسسات الدولة. لكن تاريخ سلطنة عمان في مجال الطاقة يعُد أيضًا من الخطوط العريضة لنقاط ضعف السلطنة.

تعتبر حقول النفط في عمان صغيرة ومتناثرة إلى حد ما، ويوجد بها بعض المشكلات الفنية مثل ضيق الخزانات النفطية وسرعة نفادها واحتوائها على النفط الثقيل وارتفاع نسبة المياه وطبيعة الأرض التي تتسم بالتعقيد. فبعد عام 2001، انخفض إنتاج البلاد من النفط بصورة حادة، وفي العام 2004، أعلنت شركة شل عن انخفاض هائل في الاحتياطيات أغلبها في سلطنة عمان، ومنذ عام 2006، شهد إنتاج الغاز حالة من الركود، مما أدّى إلى نقص المواد الخام اللازمة في عملية تصنيع الغاز الطبيعي المسال الذي يعد ركنًا أساسيًا في خطة تنويع مصادر الطاقة.

لكن نجحت سلطنة عمان في أن تقلب كل هذا رأسًا على عقب، وأصبحت مركزًا في الشرق الأوسط فيما يخص تدعيم تقنيات التعافي، ووصل إنتاج السلطنة من النفط إلى مليون برميل يوميًا. كما أسفرت مجهودات شركة بريتيش بتروليوم في تطوير حقل “خزان” العملاق عن القضاء على العجز بل وأدت إلى وجود فائض مؤقت في إنتاج الغاز. واستطاعت خطة الابتكار في تجارة النفط الحصول على أقصى استفادة من كل برميل، بينما تمت إقامة مراكز صناعية لاستغلال الغاز في صحار وصلالة.

بيد أن هبوط أسعار النفط في عام 2014 أدّى إلى إصابة الاقتصاد العماني مجددًا بحالة من عدم الاستقرار، وأسفرت الاحتجاجات التي اندلعت في عام 2011 ضد الفساد والبطالة عن تسريع وتيرة التعيين في الوظائف الحكومية مع بطئ وتيرة تنفيذ مشروعات جديدة. كما تم السعي في مسألة التنويع الاقتصادي، مثل باقي دول الخليج عبر المشروعات الكبرى التي تدعمها الحكومة مثل الميناء الجديد والمركز الصناعي بمدينة الدقم على الساحل الجنوبي الشرقي للسلطنة بدلًا من دعم المشروعات الخاصة الصغيرة. وقد اتسمت عملية الخصخصة بالبطء، حيث كانت الصفقة التي تمت في شهر ديسمبر بقيمة مليار دولار الخاصة ببيع نسبة 49% من شركة إنتاج الكهرباء إلى شبكة دولة الصين الصفقة الكبرى الأولى التي تتم خارج قطاع النفط.

وقد ساعدت مساهمة عمان في مبادرة الدول المصدرة للنفط أوبك في رفع أسعار النفط، لكن إنتاج السلطنة من النفط ربما لن يشهد زيادة تُذكر. وتلوح في الأفق مشكلات على المدى الطويل مثل الآثار السلبية الناجمة عن الانبعاثات الهائلة للكربون، وارتفاع تكاليف إنتاج النفط والركود الذي يشمل الأسعار والطلب على النفط. وقد ارتفع الدين القومي في سلطنة عمان من 4 مليارات دولار في عام 2014 ليصل إلى 50 مليار دولار في عام 2019، وتتوقع مؤسسة ستاندارد اند بورز أن يصل العجز في ميزانية السلطنة إلى 8.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2022.

يعتبر مستقبل الاقتصاد العماني من القضايا الهامة بالنسبة للدول المجاورة للسلطنة وكذلك فيما يخص السياسة الإقليمية. حيث يشبه النموذج الاقتصادي للسلطنة الكثير من النماذج الخاصة بنظرائها في منطقة دول الخليج، لكن هذا النموذج يتسم بالانطلاق من وضع ضعيف. ولو أن محاولات السلطنة من أجل إصلاح الميزانية والحد من عملية الخصخصة، وتنويع مصادر الاقتصاد عبر اللجوء للسياحة والخدمات اللوجستية والتعدين وتحالفات الأعمال الودية ليست كافية لإخراج السلطنة من أزمتها، سوف يكون هذا بمثابة نذير سئ لباقي دول الخليج.

وعلى المستوى السياسي، اعتمدت الاستقلالية السياسية التي تتمتع بها عمان إلى حد ما على الاستقلال الاقتصادي، وهذا الوضع الاقتصادي يتناقض إلى حد كبير مع نظيره في دولة البحرين التي تعاني من أزمة مالية مشابهة. وقد انتهج السلطان قابوس مسار سياس يتسم بالحذر، وهو موالاة الغرب مع الحفاظ على العلاقات مع دولة إيران، تلك العلاقات التي ساعدت خلال عام 2013 على التوسط لانطلاق الصفقة النووية مع الولايات المتحدة والدول الأخرى. وبصفتها عضوة في مجلس التعاون الخليجي، ظلت مسقط على الحياد في مسألة حصار قطر التي أسفرت عن انقسام مجلس التعاون الخليجي، بينما استفادت السلطنة من مسألة تنويع مصادر التجارة ورحلات الطيران.

توفي السلطان بتاريخ 10 يناير 2020، بعد صراع مع سرطان القولون منذ عام 2014 تقريبًا، ولم يكن لديه أي أولاد أو وريث محدد، وفي حالة فشلت العائلة المالكة في اختيار خليفة له، فقد حدد السلطان قابوس المرشح الأفضل لخلافته في خطابات مختومة محفوظة في كل من مسقط وصلالة. إلا أنه بغض النظر عمن سيكون خليفة السلطان، فإنه لن يمتلك خبرته وسلطته وولائه القوي لسلطنة عمان، على الأقل لن يحدث هذا في بادئ الأمر. وسيكون الدعم الذي سيأتي من الدول المجاورة مرفقًا بمجموعة من القيود لتقييد السلطنة، في الوقت الذي أعربت فيه السلطنة عن قلقها من النفوذ السعودي والإماراتي في بعض المناطق مثل شبه جزيرة مسندم التي تطل على مضيق هرمز، وكذلك في مقاطعة المهرة اليمنية المجاورة لمنطقة ظفار.

وقد بات الوضع الآن يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى بعض الإصلاحات الاقتصادية الضرورية، حتى ولو أدّى هذا إلى إزعاج أصحاب المصالح. فاليوم تجمع سلطنة عمان تاريخها القديم مع اقتصادها الذي لا زال يعتمد على المصادر الهيدروكربونية، وذلك بغضّ النظر عن الإبداع التي تبديه السلطنة في وتلك فرصة لقائدها الجديد للمحاولة بتبني نهج جديد ربما قد يقوده إلى طريق محفوف بالمخاطر، حيث أن موقف سلطنة عمان على المحك.

يشغل روبن ميلز منصب المدير التنفيذي لشركة القمر للطاقة ، وهو مؤلف كتابأسطورة أزمة النفط“.