لا شيء يُثير البهجة في الميزانية السورية لهذا العام

حايد حايد

Image courtesy of Louai Beshara / AFP

اعتمد الرئيس السوري بشار الأسد مشروع ميزانية لعام 2023 بقيمة 16.5 تريليون ليرة سورية في الشهر الماضي، واحتفلت وسائل الإعلام الرسمية بذلك الرقم، والذي شهد زيادة 24 في المئة عن العام السابق، لكنه من التضليل عرض الميزانية بناءً على قيمتها بالعملة المحلية.

فإذا أخذ التضخم في عين الاعتبار، فإن ميزانية 2023 هي في الواقع الأدنى على الإطلاق بناءً على قيمة الدولار الأمريكي، وحتى عند حساب سعر الصرف الرسمي للدولار في سوريا، حيث يبلغ مشروع الموازنة حوالي 3.6 مليار دولار، مقارنة بـ 5.3 مليار دولار في عام 2022، و6.8 مليار دولار في عام 2021، و9 مليارات دولار في عام 2020.

وأقر وزير المالية كنان ياغي في مقابلة مع وسائل الإعلام السورية، بأن انخفاض القيمة الحقيقية للموازنة هو نتيجة لارتفاع مستوى التضخم. وأشارت الأنباء إلى أن مواكبة التضخم تتطلب ميزانية أعلى بثلاث مرات من تلك التي اعتمدها الأسد، إن إنفاق هذا القدر لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشاكل المالية للدولة.

كما أنه سيتناقض مع هدف الحكومة المتمثل في كبح جماح الإنفاق الحكومي لخفض عجز الميزانية الحالي.

إن إلقاء نظرة فاحصة على خطة توزيع الميزانية يكشف أن الحكومة تعتزم المضي قدما في سياستها الخاصة بخفض الدعم الاجتماعي، وتشكل تلك الإعانات شريان الحياة لكثير من السكان السوريين، الذين يعيش 90 في المئة منهم تحت خط الفقر، ومع ذلك، دفعت الحالة السيئة للاقتصاد السوري إلى إعادة هيكلة شبكة الأمان الاجتماعي في عام 2020، وفقد العديد من السكان تلك المعونات منذ ذلك الحين.

ولا يخفف مشروع الميزانية الجديد الذي وافق عليه الأسد من معاناة الشعب.

وعلى الرغم من خطر الغضب الشعبي، فإن ميزانية عام 2023 تخفض الدعم بنحو 12 في المئة، وتوصله إلى 4.9 تريليون ليرة سورية، والقيمة الحقيقية للتخفيضات أقرب إلى 40 في المائة، وعليه فمن المرجح أن تؤدي ميزانية هذا العام إلى انخفاض في دعم الدقيق والقمح، وهو الأمر الذي سيضاعف من معاناة السوريين الذين يعانون بالفعل.

وبالمثل، لا تغطي الميزانية سوى حوالي 30 في المئة من احتياجات البلاد من الوقود، مما يعني أن مخصصات الأسر من الديزل وغاز الطهي ستظل غير كافية، مما سيدفع الناس إلى الشراء من السوق السوداء بسعر أعلى.

ويتمثل الحل الجزئي لتلك التحديات المستقبلية في زيادة الرواتب أو توزيع المنح على العاملين في القطاع العام، وهي استراتيجية قال وزير المالية إنها مضمنة في الميزانية، ولكن مجرد تخصيص الأموال لا يعني أنه سيتم إنفاقها.

على سبيل المثال، أفادت التقارير أن الحكومة أنفقت أقل من 80 في المئة مما تم تخصيصه في ميزانية عام 2022، وقد يكون أحد الأسباب هو عدم قدرة الحكومة على تأمين إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، وبلغ عجز الميزانية العامة للدولة لعام 2023 حوالي 30 في المائة من الإجمالي، وهو أعلى بنسبة 20 في المائة تقريبا من عجز العام الماضي، بما معناه أن هناك احتمال أن العجز المتزايد في الميزانية سيمنع الحكومة من صرف زيادات الرواتب المطلوبة وبشدة.

وحتى لو تم منح العلاوات، فإن رواتب القطاع العام ستظل غير كافية لمواجهة الارتفاع الهائل في أسعار السلع الأساسية، فقد تجاوز متوسط تكلفة المعيشة لعائلة سورية مكونة من خمسة أفراد 2.8 مليون ليرة سورية في شهر مارس، أي أكثر من 28 ضعف ما يتقاضاه الموظف الحكومي العادي.

وبالنظر إلى أن الفجوة بين الدخل ونفقات المعيشة مستمرة في الاتساع، فمن الحتمي زيادة الاستقالات والتغيب على نطاق واسع بين موظفي القطاع العام، وهذا بدوره سيزيد من تقويض أداء المؤسسات العامة والخدمات التي تقدمها.

ولكن بدلا من توزيع الأموال، من المرجح تبني النظام لمنهج أكثر قسوة لجعل السكان يدفعون أكثر مقابل الخدمات التي يتلقونها، وسيؤدي السقوط الحر لليرة السورية، الذي من المتوقع أن يتسارع هذا العام، إلى مزيد من تضخم الأسعار، ويضاعف من آلام السوريين الذين طالت معاناتهم.

وعلى الرغم من المزاعم بأن الهدف الرئيسي لعام 2023 هو تعزيز الاقتصاد، لكن الحكومة السورية تواصل إعطاء الأولوية للإنفاق على الاستثمار، ووفقا للأرقام المنشورة، سيتم تخصيص 18 في المئة من الميزانية للاستثمار، وهو مبلغ تافه لن يفعل الكثير لتحسين وضع الاقتصادية السوري.

ذلك لأن القطاعات الضرورية لإنعاش الاقتصاد – وخاصة الكهرباء – تحتاج إلى ضخ الكثير من رأس المال، وتفيد تقارير الأمم المتحدة أن 59 في المئة من السوريين يحصلون على أقل من ثماني ساعات من الكهرباء يوميا، و30 في المئة لديهم أقل من ساعتين في اليوم، وسيكلف إصلاح محطات الطاقة المتضررة وبناء قدرات جديدة عدة مليارات من الدولارات، وهي أموال لم يتم تخصيصها في ميزانية 2023.

إن النقص المستمر في الوقود، والذي من شبه المؤكد استمراره، سيزيد من حدة تفاقم الركود الاقتصادي السوري.

وسط أوجه القصور هذه، يجب على السوريين في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة عدم تصديق وعود النظام الكاذبة وأن يستعدوا لمزيد من سياسة شد الحزام، بغض النظر عن العملة التي يتعاملون بها.

 

الدكتور حايد حايد هو كاتب عمود سوري وزميل مشارك استشاري في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس.

تويتر: @HaidHaid22