شمال شرق سوريا ليس كبيرًا ليكفي روسيا والولايات المتحدة – ودخول شركة نفط أمريكية على الخط لن يجدي نفعا

نيل هاور

AFP photo: Delil Souleiman

في أغلب الأراضي السورية، تعتبرالمناطق النشطة بالنسبة للقوى الخارجية المتنافسة هي مناطق واضحة إلى حد كبير، وفي مناطق وسط وغرب وجنوب البلاد التابعة للنظام، يسيطرحلفاء الأسد روسيا وإيران وحزب الله على تلك المناطق، أما الشمال الغربي فتسيطر عليه تركيا التي تعمل على دعم وكلائها المحليين من المعارضة السورية، أما قاعدة التنف التي تقع على الحدود السورية العراقية والتي تم تضخيم صورتها خلافًا للواقع؛ فتعُد منطقة حصرية لقوات الجيش الأمريكي وحلفائه الدوليين.

والمنطقة الوحيدة التي لم تخضع لتلك التقسيمات هي شمال شرق البلاد، من منبج في الغرب مرورًا بالحسكة إلى الحدود العراقية في الشرق، واللاعب المحلي الأساسي في تلك المنطقة هي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المحسوبة على الأكراد، ومنذ عام 2015 وحتى عام 2019 عملت القوات الأمريكية في تلك المنطقة إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية، حيث قامت بتأسيس قواعد ومنها مهبط للطائرات في إطار التدخُل الأمريكي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وعلى أي حال فإن العام الماضي شهد نهاية تلك الديناميكية المتغيرة: عبر حدثين يمثلان صدمتين الأولى هي احتمالية اجتياح تركي وشيك والثانية هي إعلان واشنطن المفاجئ سحب قواتها من سوريا، مما دفع بأكراد سوريا لدعوة قوات النظامين الروسي والسوري لدخول تلك المنطقة لأن الأكراد باتوا يبحثون عن حلفاء من أجل ردع أنقرة.

وفي النهاية بقيت القوات الأمريكية على الرغم من أن عددها قلّ عن السابق، إلا أن هناك قوات قديمة أتت، ولتزداد الأمور تعقيدًا فقد ظهرت شركة نفط أمريكية بشكل مفاجئ بين هؤلاء القادمين الجدد.

وهذا العام شهد تعايُشًا يسوده التوتر بين القوات الأمريكية والقوات الروسية، وفي وقت مبكر من العام كانت هناك حالات لا تُحصى لدوريات أمريكية تحاول أن تحد من تحركات نظيراتها الروسية، وقامت القوات الأمريكية باعتراض دوريات روسية عدة مرات مما أسفر عن مواجهات بين الطرفين، وفي مرة واحدة على الأقل فتحت قوات النظام السوري (التي تعُد في مصاف الروس) النار على القوات الأمريكية، مما أسفر عن سقوط قتلى بعد أن قامت القوات الأمريكية بهجوم مضاد، وبينما انخفض عدد المواجهات في الفترة الحالية إلا أن الاتصالات لم تتوقف، وكما جاء على لسان مسؤول عسكري أمريكي رفيع المستوى الشهر الماضي فإن القوات الأمريكية والروسية تتفاعل مع بعضها البعض بشكل يومي تقريبًا.

ويبدو أن هناك عدم تطابق بشكل واضح فيما يخص الإرادة السياسية واستغلال الإمكانات العسكرية في تلك المنطقة بين واشنطن وموسكو، وعلى الرغم من تعهدات الولايات المتحدة المتكررة بحماية سيطرة الأكراد على حقول النفط المحلية؛ فقد انسحبت القوات الأمريكية من مئات المواقع على امتداد المنطقة، بينما استمرت روسيا في توسيع نطاق وجودها وتكاملها مع الوكلاء المحليين: وقامت القوات الروسية مؤخرًا بتطوير قاعدتها العسكرية في مطار القامشلي الذي يقع على الحدود السورية التركية، كما أشركت موسكو المروحيات الهجومية في أعمال الدوريات، وبدأت في تدريب أعداد إضافية من المقاتلين المحليين، وفي الشهر الماضي قام الروس بتوجيه أكثر من 24 من الدبابات والمركبات المدرعة نحو قرية مظلوم التي تقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، حيث باتت على بعد كيلومترين فقط من القوات الأمريكية.

كل هذه الأمور تحدث إزاء خلفية تشمل عددًا من الاغتيالات والتفجيرات والهجمات الأخرى التي تقوم بها خلايا متنوعة تعمل في الخفاء ومنها بالطبع تنظيم داعش، أما المتمردين المحسوبين على تلك المجموعة والذين ينشطون في المراكز الحضرية في صحراء الشرق السوري والتي استعادتها قوات النظام في العام 2017؛ فقد قام هؤلاء المتمردين بتصعيد أنشطتهم، وعادة ما يقومون باستهداف القوات الموالية للحكومة وعمل كمائن تستهدف الدوريات في منطقتي دير الزور وحماة.

علاوة على ذلك، هناك الانتشار المتسارع للخلايا التي قامت المخابرات الحربية السورية بتأسيسها وإدارتها، والتي ربما يكون لها علاقة بمقتل عدد من شيوخ القبائل البارزين في المنطقة، وما أدى إلى زيادة حالة الفوضى هو حدوث عدة مواجهات دموية بين الميليشيات الموالية لموسكو والتشكيلات الموالية للنظام السوري في منطقة دير الزور، وقالت إذاعات محلية إن لواء القدس الذي تربطه صلات وطيدة مع الجيش الروسي قام بطرد الميليشيات الموالية للنظام من حقول النفط التي تقع شرقي مدينة البوكمال، مما أسفر عن مواجهات وسقوط قتلى.

ولهذا كان أمرًا مفاجئًا أن تصبح الشركات الأمريكية الآن أكثر إقبالًا على الاستثمار في شمال شرق سوريا أكثر من أي وقت مضى، في الوقت الذي أصبحت السيطرة الأمريكية على تلك المنطقة أضعف بكثير مما كانت عليه على مدار السنوات القليلة الماضية. وتم الإعلان عن أن شركة أمريكية دلتا كريسنت للطاقة [صحيح؟] قامت بعقد صفقة قيمتها 150 مليون دولار مع الحكومة الإقليمية الكردية، من أجل بناء مصفاة نفط والتنقيب عن النفط في 3 حقول محلية، ويأتي هذا التوجه على النقيض من استمرار سحب القوات الأمريكية من المنطقة في الوقت الذي يكتسب منافسو واشنطن جميعهم قوة متصاعدة.

وستكون تلك الصفقة ستكون استفزازية خاصة فيما يتعلق بما حدث منذ عامين ونصف العام، حينما قام المرتزقة التابعون للحكومة الروسية، مجموعة فاجنر، بشن هجوم شامل استمر 4 ساعات استهدف المواقع الأمريكية شرقي نهر الفرات، وعلى الرغم من سحب معظم مقاتلي فاجنر من المنطقة منذ ذلك الحين إلا أن القوات النظامية الروسية قامت بترسيخ وجودها فيها أكثر من أي وقت مضى، وقد أدانت موسكو ودمشق وطهران جميعًا تلك الصفقة النفطية، والأرجح أن أحكام تلك الصفقة، والتي ستستغرق سنوات للوفاء بها، لن يتم تنفيذها دون اختفاء تلك النزاعات.

لذا فإن شمال شرق سوريا بات يمثل انعكاسًا للجنوب بشكل متصاعد، خاصة محافظة درعا؛حيث أن النظام الذي تم تأسيسه في أعقاب النهاية الظاهرية للأنشطة العسكرية الرئيسية بدأ يتفكك تدريجيًا مما نتج عنه فراغًا أمنيًا، وأصبحت القوات المحلية والإقليمية تعمل بشكل متصاعد على تقوية نفسها والتأكيد على سيطرتها، وباتت القوى المسيطرة بشكل ظاهري (القوات الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي والنظام السوري في الجنوب) طرفًا من ضمن أطراف عديدة متنافسة.

تضاعف التنافر المتصاعد بين الطرفين الأمريكي والروسي في المنطقة بسبب الطموحات الواضحة للشركات الأمريكية لأجل استغلال احتياطات النفط في المنطقة، حتى في الوقت الذي تُثار فيه علامات استفهام حول الإرادة السياسية الأمريكية، كما أن الحضور العسكري الأمريكي بات يتناقص، ومن الممكن مواجهة هذا الأمر عبر تعزيز الوجود العسكري الأمريكي على الأرض، لكن هناك عدة إشارات تدل على أن موسكو عازمة على تقليل الأثر الأمريكي في تلك المنطقة.

الوضع الراهن لن يدوم طويلًا؛ فهناك طرف سواء الأمريكي أو الروسي سيُجبر على الانصياع أولًا في تلك المواجهة العميقة التي تجري في شمال شرق سوريا.