يحتاج شمال إفريقيا إلى المزيد من الاهتمام الأمريكي، لكن هل سيحصل عليه؟

الين ليبسون

AFP Photo

لعقود من الزمن، احتلت منطقة شمال إفريقيا المرتبة الثانية على صعيد اهتمامات ومصالح السياسية الأمريكية في الشرق الأوسط، فلم يكن لها دور حيوي في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، كما لم يكن لديها حضور فيما يخص التحديات الأمنية في منطقة الخليج. وعادة ما تكون بلدان شمال إفريقيا من المغرب إلى ليبيا (باستثناء مصر) فكرة غائبة عن كاتب الإستراتيجيات الأمريكية. ووفقًا لتقرير صدر مؤخرًا عن مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي ومعهد الولايات المتحدة للسلام، والذي يشير إلى أن زيادة نشاط روسيا والصين في المنطقة، تُلزم الولايات المتحدة بتوضيح مصالحها السياسية وإعادة ترتيب أولوياتها. ويمكن لهذه التقارير والدراسات المساعدة في تشكيل السياسة الرسمية، ويقدم هذا التقرير نهجًا مفيدًا لإدارة بايدن.

وتُعد دول المغرب العربي صورة مصغرة لأجندة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، بدءاً من قضايا فشل وتعثر انظمة الحكم، إلى الضغوطات الاقتصادية، إلى التطرف المحلي والمستورد، وأخيراً إلى أنماط الهجرة غير الشرعية. كما تُعد دول المغرب العربي منصة غنية بالأمثلة لدراسة الأنظمة السياسية، مثل النظام الملكي الحديث في (المغرب)، فضلاً عن وجود دولتين غنيتين بالنفط (واحدة تائهة في غياهب الفوضى – ليبيا – وأخرى تتبع نظاماً استبداديا – الجزائر) أما وتونس فهو البلد الوحيد من دول الربيع العربي الذي استطاع الوصول إلى مرتبة “حر” وفق الفهارس العالمية للممارسات الديمقراطية.

وتقر الدراسة بوجود تنافس على جذب اهتمام صانعي السياسة الأمريكية، خاصة إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة قد أعربت عن نيتها بتجنب الانخراط في قضايا الشرق الأوسط ، والتركيز بدلاً من ذلك على آسيا. لكن المؤلفين وضعوا بعناية نهجًا سياسيًا مبني على النظرة العالمية لإدارة بايدن، وليس لديهم توقعات خيالية حول احتمال أن تصبح هذه المنطقة أولوية جديدة لواشنطن، كما يقترحون العمل يداً بيد مع الحلفاء والمؤسسات الدولية، عوضاً عن استراتيجية تقودها الولايات المتحدة بالتحالف مع دول أخرى أو خطة تعمل على ضوئها الولايات المتحدة بمفردها.

ووفق المنظور التاريخي، حظيت شمال افريقيا باهتمام كبير من الولايات المتحدة، بدءاً من إقامة العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في عام 1786، إلى حرب 1801-1805 ضد قراصنة الساحل البربري أو ما يسمى اليوم ليبيا، إلى دورها المهم في الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة من خلال قواعد في المغرب وتونس وليبيا. لكن في العقود الأخيرة، ركزت سياسة الولايات المتحدة في العالم العربي على منطقة الخليج أو على السلام العربي الإسرائيلي، وعليه شعرت شمال إفريقيا بتجاهل صانع السياسة الأمريكي.

وتعد المساعدات والمنح الامريكية متواضعة وبسيطة جداً لدرجة أن معظم التونسيين والمغاربة لم يسمعوا بالبرامج السرية التي تعزز الحكم والإصلاحات الاقتصادية. وبينما وافق المغاربة على صفقة إدارة ترامب بالتطبيع مع إسرائيل مقابل اعتراف الولايات المتحدة بمطالب المغرب بالصحراء الغربية، إلا أن المغرب يشعر بخيبة الأمل الآن، لأن البيت الأبيض تحت قيادة بايدن لم يتبنَّ صفقة الصحراء الغربية، التي الغت عقودًا من الدبلوماسية الأمريكية للوصول إلى حل تفاوضي لهذا الصراع. بدلاً من ذلك، تقوم الإدارة الحالية بمراجعة الملف، ولا ترفض أو تؤكد الاتفاقية التي تم الوصول إليها في عهد ترامب.

ويؤمن مؤلفا الدراسة الجديدة، سارة يركس وتوماس هيل ، بضرورة المشاركة الامريكية المستدامة في المنطقة، ليس فقط بناءً على تاريخ الالتزامات السابقة، أو على المزايا الدائمة لتعزيز الاستقرار من خلال تحسين الحكم، ولكن يقوم ذلك الإيمان على المستجدات الأخيرة، حيث أن روسيا والصين حريصتان كل الحرص على ملء أي فراغ تتركه الولايات المتحدة (أو الاتحاد الأوروبي) ورائهما. ومن وجهة نظرهم، وضعت روسيا بالفعل استراتيجية أمنية، مع ليبيا باعتبارها المحور الرئيسي، واستخدمت الصين مبادرة الحزام والطريق لإغراء كل دولة من دول شمال إفريقيا بعقد اتفاقيات اقتصادية معها. وتُعد الصين الآن أكبر شريك تجاري للجزائر ومصر.

ويقدم كل من يركيس وهيل الحُجج على أن الصين تعمل الآن على تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وإن كان ذلك التكامل يخدم المصلحة الشخصية للصين، ويعزز من تحسين فرص استثماراتها الاقتصادية. ولعقود من الزمان، عزز صانعو السياسات الأمريكية التكامل الاقتصادي لتوسيع نفوذ المنطقة فيما يخص التجارة مع أوروبا والولايات المتحدة أو الأسواق الأخرى. إن إيجاد مناهج أكثر كفاءة لصادرات دول المغرب الزراعية، أو ربط النقل وشبكات الكهرباء، من شأنه زيادة تنقل العمالة ويولد النمو الاقتصادي، ومع ذلك فشلت نخب دول المغرب السياسية في تحويل الخُطب الرنانة بخصوص التكامل الاقتصادي إلى واقع ملموس. والحقيقة المؤلمة هي أن غياب الثقة والخلافات السياسية مثلت حجر عثرة أمام المنطقة ومنعت تلك الدول من استثمار موارد وإمكانات رأس مالها البشري. ومن المؤسف أن تنجح الصين فيما فشلت فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مجال تعزيز التكامل الإقليمي لدول المغرب العربي.

ولتجنب الوقوع في فخ المبالغة والتهويل فيما يخص الحديث عن المُمارسات السياسية المفضلة لدى الكاتبين، ركزت الدراسة بصورة مفيدة على العمل من خلال المؤسسات متعددة الأطراف كخيار أول. والعمل بشكل ثنائي فقط عندما تدعو الحاجة لذلك. وهذا النهج يتلاءم مع رغبة إدارة بايدن في القيادة الدبلوماسية، واستخدام التعاون الدولي والمؤسسات العالمية لحل العديد من مشاكل العالم. وبالنسبة للتحديات الهائلة التي تواجه شمال إفريقيا، فقد يعني ذلك التنسيق الوثيق مع الاتحاد الأوروبي، أو مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية الأفريقية والعربية والمنظمات غير الحكومية الدولية المهمة التي تنشط في تنفيذ برامج التنمية والديمقراطية والإنسانية.

وسيُمثل جمع الموارد المالية والتقليل من تكرار وازدواجية الجهود، استراتيجية ذكية للبرامج التي يقودها المدنيون والتي تهدف إلى الحكم الرشيد ومكافحة الفساد وبطالة الشباب وغيرها من التحديات المزمنة التي تواجه دول شمال افريقيا. ويمكن للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحسين تنسيق الجهود التي يقودها شخوص ذوي تفكير متناظر، وسيكون ذلك دليلًا واضحاً على طريقة العمل المفضلة لإدارة بايدن.

أما بالنسبة للتحديات الأمنية، من إدارة الحدود، إلى منع الهجرة غير الشرعية، إلى مواجهة الجماعات الإسلامية المتطرفة، بما في ذلك داعش، فيصعب تنفيذ استراتيجية اللجوء إلى المنظمات الدولية. ويوصي تقرير كارنيجي- USIP بالسماح للأمم المتحدة بفض النزاعات الإقليمية، لكن هذا النهج لم يثبت نجاحه، خاصة عندما يكون رعاة أطراف النزاع مختلفين فيما بينهم.

وفيما يتعلق بالتطرف على الصعيد الداخلي، فلم تكن برامج بناء القدرات الثنائية والإصلاح القضائي كافية لتحقيق أي نجاح، وذلك ما تعلمه الفرنسيون من تجاربهم مع دول الساحل. ومع ذلك، أظهر المغرب والجزائر على وجه الخصوص كفاءة أكبر في التعامل مع التطرف الداخلي، وإن كان ذلك على حساب الحريات المدنية. ومن المفارقة أن هذين البلدين يمكن أن يكونا محركين لتعاون إقليمي أكبر في العديد من القضايا، لكن بفضل انعدام الثقة بينهما، لم يتم إنجاز أي تقدم، مما يثير خيبة الأمل لدى القوى الخارجية.

لذا فإن ضمان ألا تكون شمال إفريقيا مصدرًا للفوضى ليس مهمة للولايات المتحدة وأوروبا فقط. إنها مسؤولية دول شمال إفريقيا أيضاً، حيث تعمل كل دولة من دول شمال أفريقيا الآن على تحسين الحوكمة في الداخل وتعزيز مزاياها الجغرافية كجسور بين أوروبا وأفريقيا. وقد لا تكون أمريكا اللاعب الأكثر أهمية، لكن يمكنها استخدام نفوذها الدبلوماسي لتشكيل التطورات الإقليمية وربما منع القوى التحريفية، مثل روسيا والصين، من مد نفوذها بطريقة تعرقل مسار الإصلاحات السياسية والاقتصادية.

 

إلين لايبسون هي مديرة برنامج الأمن الدولي في كلية شار للسياسة والحكومة بجامعة جورج ميسون. وقد شاركت في اجتماعات مجموعة العمل للتقرير المشار إليه في هذا المقال ، “إستراتيجية جديدة للمشاركة الأمريكية في شمال إفريقيا”.