الاقتصاد اللبناني يستمر في التهاوي إذا لم يشعر اللبنانيون بالقلق تجاه الأزمة الاقتصادية الراهنة

حسين عبد الحسين

قال نائب رئيس البنك الدولي “فريد بلحاج”، “إن الاقتصاد اللبناني يعاني من “الهشاشة”، وهو البيان الذي زعزع أي ثقة لدى اللبنانيون في اقتصادهم. (ولاحقًا سيتم مناقشة هذا الأمر بالتفصيل). وأشار “بلحاج” إلى أنه، وبالرغم من كل هذا، فلا خوف على الاقتصاد اللبناني، وأضاف بأن لبنان كانت تسر ضد التيار، وأنه “سيأتي اليوم الذي تدرك فيه لبنان ان المقصود بذلك هو الدًين، أو بالأحرى، الدين الذي لا يمكن السيطرة عليه. ورغم المناشدات الأخيرة التي أطلقها البنك الدولي، فمن الواضح أن اللبنانيين لا يمتلكون الرغبة في إصلاح اقتصادهم دون الاعتماد على الأموال المقترضة.

وتبدأ تلك القصة في فترة ما في منتصف القرن الماضي، غير أن تكرار الأزمة اللبنانية الدائمة في الآونة الأخيرة كان بسبب محاولة البنك الدولي تدعيم الاقتصاد بإصدار تعليماته إلى البنوك [عقب اندلاع الحرب السورية في العام 2011، والتباطؤ الاقتصادي الحاد] بتقديم قروض بأـسعار فائدة منخفضة لكل من يشتري منزل لأول مرة. وكما هو متوقع، أدى هذا الأمر إلى تضخم في أسعار العقارات. ومن ثم، وبضغط من البنك الدولي، أنهت بيروت سياسة الفائدة المنخفضة، مما أدى الأسبوع الماضي إلى زيادة التضخم. ويشهد سوق العقارات حاليًا – والاقتصاد بوجه عام – حالة من الركود، ومع الانخفاض الشديد على الطلب، أوقف المقاولون خطط الأعمال الخاصة بهم، وانخفضت طلبات الحصول على تصاريح البناء الجديدة بنسبة “18%” في النصف الأول من العام 2018 وفقًا لدائرة الأبحاث الاقتصادية في بنك “بيبلوس”.

ومع تهاوى قطاع العقارات، لم يبقى أمام الاقتصاد اللبناني سوى مصدرين أساسيين من مصادر الدخل وهما التحويلات المالية والسياحة، ورغم أنهما قطاعان يساهمان في إجمالي الدخل المحلي إلا أن أداؤهما كان أيضًا أقل من المتوقع.

وأشار بنك “بيبلوس” إلى أن تدفقات التحويلات المالية انخفضت بنسبة “7%” في العام 2017 مسجلة “7,1” مليار دولار أمريكي أي ما يعادل “13%” من إجمالي الناتج المحلي، وفي العام 2014، شكلت التحويلات المالية “27%” من إجمالي الناتج المحلي في لبنان.

وفي تلك الأثناء، ورغم كل هذا، نمى القطاع السياحي بنسبة “10%” في العام 2017، وهي نسبة لم تتجاوز معدلات النمو في السنوات السابقة التي شهدتها البلاد مثل الفترة التي شهدت ذروة أعداد السائحين في العام 2005.

أضف إلى ذلك، أصبح القطاع السياحي يعتمد الآن على قاعدة أصغر من السائحين، حيث أدى تدهور البنية التحتية والتلوث البيئي في لبنان إلى استياء الزائرون الأجانب، وفي هذا إشارة إلى أن السائحين القادمين الى لبنان كانوا في الغالب من العمالة الوافدة الى لبنان، وبمعنى آخر، لم تجني الدولة أرباح طائلة من صرف العملات الأجنبية.

وماتزال لبنان حتى الآن غير قادرة على مواجهة انخفاض التحويلات المالية أو السياح الأجانب، وتعتمد لبنان على العملة الصعبة في سداد ديونها، وتحتل المركز الثالث عالميًا كأكثر البلدان استدانة مقارنة بإجمالي الناتج المحلي، ولهذا لم يكن أمامها إلا اقتراض المزيد من الأموال لسداد القروض القديمة. وفي حقيقة الأمر، لم تكن بيروت تفعل سوى ذلك. وحتى في السنوات التي كانت تشهد انتعاشا، فلم توفر لبنان أي أموال لسداد نفقات الدولة، مع العلم أن لبنان لا يمكن ان تتحمل عبء الدين المتزايد نتيجة للاقتراض المستمر، وهو الأمر الذي تعين على بيروت تغييره أو المخاطرة بتعريض الدولة لانهيار تام، وهذا هو التحدي الذي لمح إليه “بلحاج” نائب رئيس البنك الدولي.

“أصبح الدين أشبه بوحش يشتهي التهام أي دولارات “، وفقًا لما ذكره، وليد ماروش، أستاذ العلوم الاقتصادية بالجامعة اللبنانية الأمريكية، وأضاف قائلاً “تشبه تلك السياسة ركوب الدراجة، فإذا أوقف الضغط على الدواسة سقطت أرضًا”. ولم يكن أمام البنك المركزي أي خيار سوى الاستمرار في الاقتراض لسداد الديون المتزايدة، ولكن إلى أي مدى سينمو الدين بدون أن تعجز الدولة عن أدائه؟”

وقبل ذلك، كان الدول الصديقة إلى لبنان أمثال المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج تهرع إلى مساعدتها إذا طلبت لبنان ذلك، فعلى الفور، وعقب اندلاع الحرب بين حزب الله وإسرائيل في العام 2006، أودعت الرياض مليار دولار أمريكي لدى البنك المركزي اللبناني للمحافظة على استقرار العملة المحلية، وعلى مدار فترة التسعينات وحتى اغتياله في العام 2004، نجح رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في تفعيل علاقاته مع دول الخليج. والآن، وفي ظل ممارسة بيروت للسياسة الجغرافية من خلال مساندتها إيران التي تمر بظروف مالية صعبة على حساب دول الخليج الغنية، سيجد لبنان نفسه لاحقًا تحت وطئة اقتصادية من الصعب أن تجد معين عليها من الحكومات الصديقة.

ويطلب البنك الدولي من اللبنانيين إجراء إصلاحات أساسية يمكنها على المدى المتوسط والبعيد حماية الاقتصاد من “يوم الحساب” الذي لا مفر منه. وتحتاج تلك الإصلاحات إلى سياسات أعمق من مجرد هيكلة الديون، ومنها أن تكون لبنان أكثر جذبًا للمستثمرين الأجانب. ووفقًا لبنك “بيبلوس”، تحتل لبنان المركز الثامن أكبر متلق للاستثمارات الأجنبية المباشرة، بعد الإمارات التي تحتل المركز الأول، ويليها كلٌ من قطر والبحرين والمملكة العربية السعودية والكويت، ولكن إلى أي مدى ستكون لبنان أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب عندما يمسك ميليشيا حزب الله بزمام السلطة، وأعلى مسؤول منتخب في البلاد قابع في مستنقع من الفساد في ظل حالة الجدل والاختلافات الدائمة؟

لم يقدم حزب الله ولا المؤسسة السياسية أي شكل من أشكال الإصلاح في أي وقت مضى. وتمكن المشكلة في أنه رغم الثقة المهزوزة التي يضعها اللبنانيون في اقتصادهم بشكل عام، فمن المفارقات أن تجدهم أيضًا غير قلقين بما فيه الكفاية بشأن تعرض اقتصادهم لانهيار مفاجئ، شأنهم في ذلك شأن السيد/ بلحاج نائب رئيس البنك الدولي، علمًا بأنه بدون هذا القلق، فلن يكون ثمة حاجة إلى ملحة إلى إصلاح طويل الأمد. ويجب على لبنان أن تخلق لنفسها اقتصادا قويا بدون الاعتماد على التحويلات المالية، أو زيادة أسعار العقارات أو تسلية السائحين، ويجب ألا نعقد الكثير من الآمال على هذا الأمر، وربما ما تحتاج لبنان إليه هو مجرد صدمة عنيفة حتى تتخلى عن سياسة اللامبالاة بشأن وضعها الاقتصادي الحالي، ويجب عليها أن تهتم بوضعها الاقتصادي على المدى القريب والمتوسط والطويل.

AFP PHOTO/JOSEPH EID