لا مزيد من الأعذار – يجب على رئيس الوزراء العراقي مواجهة إيران وميليشياتها

حسين عبد الحسين

AFP photo: Handout/Iraq prime minister's office

قال رئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي”، في مقابلة حديثة ، إن حلمه أن يكون الشرق الأوسط هو “المشرق الجديد” بحسب وصفه، على غرار الاتحاد الأوروبي، حيث يتدفق رأس المال والتكنولوجيا بحرية. وأضاف “الكاظمي” بأنه يفضل انسحاب القوات الأمريكية من العراق، لأنه بانسحاب القوات الأمريكية سيزول مبرر وجود الميليشيات الموالية لطهران في العراق. وبما يليق برجل معروف بذكائه، يعتقد “الكاظمي” أن السلام والحكم الرشيد والتجارة – وليس دوامة الثأر والحروب – هي أفضل طريقة لتأمين مستقبل أفضل. ومن الواضح أنه يقول كل ما هو صحيح، ولكن هل يستطيع تحقيق ذلك؟

وشهدت الأشهر الأربعة التي قضاها “الكاظمي” في السلطة أحداثًا متباينة، وخاصة فيما يتعلق بوعده باستعادة سيادة الدولة، وكبح جماح الميليشيات الإيرانية، على الرغم من فوزه بدعم رجل الدين الشيعي البارز “علي السيستاني” والشعب العراقي بشكل عام. ولكن قوة الميليشيات الموالية لإيران ونفوذها مازالت كما هي. وفي الواقع، تستمر الميليشيات في مطاردة النشطاء العراقيين المناهضين لإيران، ومنهم “هشام الهاشمي”، أحد مستشاري الكاظمي.

والتفسير الوحيد لإحجام رئيس الوزراء عن مواجهة الميليشيات هو المناورات السياسية. وبصفته جديد في عالم السياسة، قد يرغب الكاظمي في تجنب المواجهة في الوقت الذي يجمع فيه توافقًا كبيرًا قدر استطاعته قبل انتخابات يونيو/حزيران المقبلة. وإذا ظل “الكاظمي” في منصبه حتى ذلك الحين، فمن المحتمل أن يرشح نفسه ضمن القائمة السياسية التي تحوله إلى سياسي حقيقي تمكنه بعد ذلك استخدام كتلته لتنفيذ رؤيته.

لكن شهر يونيو/حزيران ما زال بعيدًا، وإذا فشل “الكاظمي” في تحمل بعض المخاطر، فمن غير المرجح أن يستمر دعمه الشعبي كل هذه المدة. وأصبح “الكاظمي” رئيسًا للوزراء، رغم حداثته بعالم السياسية، على وعد بأنه لن يمارس ألعاب السياسة، ولكنه سيواجه المعارضين وجهاً لوجه، ويفرض تغييرًا جذريًا، وليس تدريجيًا.

ومع ذلك، قد يواجه “الكاظمي” خطر خسارة الأغلبية البرلمانية إذا ما قرر مواجهة الكتلة الموالية لإيران. ولكن الخسارة ليست أمرًا مسلمًا به. وفي ظل التأييد الشعبي الذي يحظى به “الكاظمي”، سيجد المشرعون صعوبة في محاولة التصويت لسحب الثقة عنه، وخاصة إذا حاولوا عرقلة استعادة سيادة الدولة العراقية من الميليشيات باستخدام هذه الخطوة.

ولكن إذا أقدم “الكاظمي” على تلك المخاطرة، فسيجد أن المنطقة والعالم يقفان إلى جانبه. وكانت السياسة الأمريكية تجاه العراق هي دعم الدولة وتقويض الجهات الفاعلة غير التابعة للدولة والتي تتبنى العنف. وأعربت المملكة العربية السعودية ودول الخليج عن استعدادها لتزويد العراق بكل ما تهدد إيران بحجبه – ولاسيما حجب الكهرباء عن المحافظات الجنوبية. وفي الواقع، قد يثبت الاعتماد على الدول العربية المجاورة للمساعدة في دحر النفوذ الإيراني أنه اختبار جيد للوعد الذي قطعه “الكاظمي” بوجود منطقة عربية أكثر تكاملاً تعيش في سلام وازدهار.

وعلى مدى العقد الماضي أو أكثر، أصبح من الواضح للإيرانيين ولشعوب البلدان الخاضعة للنفوذ الإيراني أن نوع الإسلام السياسي الذي تمارسه “الجمهورية الإسلامية” هو وصفة للفشل الحكومي والانهيار الاقتصادي والبؤس.

وعلى النقيض من ذلك، قدمت الدول العربية – وخاصة في الخليج – نموذجًا مختلفًا، وهو ذلك النموذج الذي يوفر مستوى معيشيًا جيدًا للجميع، ومحل إعجاب من دول الشرق الأوسط. وقد يكون استبدال العراق لروابطها التجارية والمالية الحالية مع إيران بروابط جديدة مع الدول العربية وسيلة للبدء في تحسين مؤشرات الحكومة العراقية، ونوعية الحياة لملايين العراقيين. وإذا حدث ذلك، فلن يكون هناك أفضل من ذلك لدعم فرص “الكاظمي” في انتخابات العام المقبل.

إن توخي “الكاظمي” الحذر في مواجهة إيران قد يكون أمرًا معقولًا، ولكن بالنسبة للعديد من العراقيين فالإحجام عن المواجهة لا يمكن تبريرها. ومن المعروف أن البيروقراطية في العراق تتسم بالتضخم والكلفة، وعدم الفاعلية والكفاءة، والفساد. والبيروقراطية لا تعدو أن تكون واحدة من أكبر شبكات المحسوبية في العالم. ويحتاج العراق على الفور إلى إصلاحات من شأنها تقليص عدد الوزارات، وإطلاق العنان لقوة القطاع الخاص لخلق فرص العمل وتنمية الاقتصاد. ويلزم تنفيذ تلك الإصلاحات على الفور. وكما هو الحال في لبنان، تستخدم الميليشيات الموالية لإيران في العراق الفساد لمكافأة الموالين، وستحارب تلك الميليشيات بشراسة أي محاولات للقضاء عليهم.

لقد أهدر “الكاظمي” فعليًا أربعة أشهر في جس نبض الشارع العراقي، وحان الوقت للقيام بما يجب القيام به، وهو قمع الميليشيات، وتفكيك أجنحة إيران في العراق، حتى لو أثار ذلك غضب طهران منه. وإذا استمر “الكاظمي” في قول الأشياء الصحيحة دون تنفيذ، فمن المرجح أن يخسر في يونيو/حزيران المقبل. وهذا ثمن الحذر من إيران وميليشياتها.

حسين عبد الحسين، مدير مكتب صحيفة الرأي الكويتية اليومية في واشنطن، وزميل زائر سابق لدى معهد تشاتام هاوس في لندن.