دعوات نيوزيلندا لكبح دعاية الإرهابيين تبعث برسالة لشركات التكنولوجيا مفادها إن التغيير قادم

فيصل اليافعي

AFP photo: Loic Venance

ذهبت رئيسة الوزراء النيوزيلندية إلى باريس هذا الأسبوع ومعها رسالة بسيطة: إن الهجوم على المصلين المسلمين بمدينة كرايست تشيرش يجب أن يمثل دافعًا لشركات التكنولوجيا الكبرى من أجل التغيير، والهجوم الذي جرى في مارس؛ والذي يعُد الأسوأ في تاريخ نيوزيلندا تم نشره في بث حي من خلال فيسبوك، وخلال الساعات والأيام التي تلت الهجوم تمت مشاركة الصور والفيديوهات الخاصة به على نطاق واسع، حتى أن رئيسة الوزراء ذاتها قالت إنها شاهدت جزء من مقطع الفيديو الذي وجدته على الفيسبوك حيث تم تشغيل الفيديو بصورة تلقائية.

وفي باريس؛ وكطرفين مشاركين في قمة لمكافحة التطرف المنتشر عبر الإنترنت قامت “آرديرن” والرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون بإطلاق مبادرة “نداء كرايست تشيرش” والتي تهدف إلى إجبار عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي على الاعتراف بالأذى الذي يصيب العالم الحقيقي عبر المنصات الافتراضية التي تقوم عليها تلك المؤسسات، وقد طُلِب من المشاركين التوقيع على تعهد من أجل القضاء بقوة على عملية مشاركة تلك الدعاية الإرهابية، والكشف عن البرمجيات التي تعمل على نشر مثل تلك المواد.

لكن هذا التعهد ليس إلا مجرد بداية، والانتشار الهائل الذي تتمتع به تلك المؤسسات مثل فيسبوك وتويتر وجوجل جعل تلك المؤسسات تحت دائرة الضوء، كما أدى إلى صراع بينها وبين الحكومات على مستوى العالم، من نيودلهي إلى موسكو إلى واشنطن، وهناك أكثر من دولة لفتت نظر تلك المؤسسات إلى أن التغيير قادم، لكنها لم تفصح عن شكل هذا التغيير الذي بقي غير واضح المعالم.

وحتى الآن فإن الاقتراحات تركزت حول ثلاثة أنواع: الحلول التقنية وسياسة المعالجة والضغط الشعبي، وقد فضّلت شركات التكنولوجيا الاقتراح الأول لأنه يسمح لها وليس للساسة بالسيطرة على تلك العملية، وقد بدأ نداء كرايست تشيرش عبر الضغط الشعبي الذي استهدف المؤسسات الإعلامية العملاقة بغرض دفعها إلى التوقيع والالتزام بوثيقة التعهدات العامة، أملًا في أن يؤدي هذا التعهد المفتوح، مع توفير مزيد من الشفافية من طرف مؤسسات التكنولوجيا العملاقة، إلى إحداث التغيير المطلوب، وعلى أي حال فإن هذا التعهد غير مُلزِم، وبينما أبدى الرئيس الفرنسي دعمه الكامل لهذا التعهد إلا أنه أعلن تفضيله لتغيير السياسات بشكل جذري.

وخلال العام الماضي أصدرت السلطات الفرنسية قانونًا يسمح للقضاة الحكم بإزالة الأخبار الخاطئة بالقوة من على مواقع المؤسسات العملاقة، على الرغم من ان هذا القانون لم يتم تطبيقه الا قبيل الانتخابات بثلاثة اشهر، وأراد الرئيس الفرنسي ان يذهب الى ابعد من ذلك؛ من خلال تنظيم عمل مؤسسات التكنولوجيا مثل البنوك، وأن يتم فحص حسابات تلك المؤسسات بشكل منتظم، وهناك مشاورات تجريها الحكومة البريطانية حاليًا من أجل تمرير مجموعة من القوانين لتأمين شبكة الإنترنت، والتي يمكن لها في الحالات الاستثنائية أن تقوم بتوقيع غرامات باهظة على شركات التكنولوجيا، أو حجب تلك المؤسسات بالكامل إذا لم تتخذ الخطوات الكافية لمنع تداول المحتويات الضارة، وحتى في الولايات المتحدة فإن النقاش بدأ في التحول: وفي خلال الأسبوع الماضي فقط أطلق الشريك المؤسس لفيسبوك نداء من أجل فض الشركة تمامًا كما حدث مع الاحتكارات الضخمة في الولايات المتحدة سابقًا.

وبالنظر إلى تلك التطورات مجتمعة يلاحظ أنه حتى في الديمقراطيات الليبرالية هناك غضب جراء عدم تنظيم عمل شركات التكنولوجيا، وهناك رغبة حادة لإجبار تلك الشركات على إجراء تغييرات، وهذا لا يعود فقط إلى أسلوب تلك الشركات في نشر الدعاية التي تروج للإرهابيين.

إن خطاب الكراهية له تأثيرات غير متناسبة مع الحوارات السياسية في الدول الديمقراطية، كما أنه من الممكن لهذا الخطاب السيطرة على الناخبين، وقد نجحت شركات التكنولوجيا في الإفلات من تسديد الضرائب عبر اللعب على حبل السلطات القضائية، وقد سيطرت تلك الشركات بشكل لا يصدق على عدد هائل من البيانات الشخصية لمواطنين من دول أخرى، والتي تبيّن لاحقًا أن الخوادم التي قامت بتلك الخروقات تتركز في الولايات المتحدة، وتلك جميعًا تعُد أسبابًا كافية تدفع بالحكومات إلى سن قوانين من أجل استهداف تلك الشركات.

والآن فإن أي تغيير سيكون من الصعب تنفيذه، لأن السياسات سيكون من الصعب صياغتها، والساسة يتسمون بالبطيء في تعريف خطاب الكراهية أو المحتوى الذي يشمل التطرف المقترن بالعنف، حتى أن نداء كرايست تشيرش لم يحاول تعريف تلك المصطلحات، وترك لشركات التكنولوجيا حرية تحديد طبيعة المحتوى البغيض، وفي مكان مثل الولايات المتحدة فإن الخط الفاصل بين خطاب الحرية وخطاب الكراهية يتم الحكم عليه من منظور سياسي، ولن يكون من السهل حرمان الإرهابيين من منصات التواصل الاجتماعي، وربما يكون من السهل إزالة الصور والفيديوهات، ولكن سيكون هناك مشكلة في التمييز صراحة بين مسلحي هيئة تحرير الشام في سوريا الذين يخططون لهجمات عبر واتساب وبين بعض مديري الأعمال الذين يقومون بالتخطيط للمشروع التجاري القادم في إسطنبول. كما ان تكوين سياسة تقوم على وضح حدود مناسبة وفي ذات الوقت تعطي حرية كافية للمستخدمين ومنصات التواصل الاجتماعي من أجل الإبداع هو أمر يحتاج الى الوقت والنشاط والخبرة.

وهناك أمر هام قد يزيد من حدة التوتر: وهو أن الحكومات لن تقوم بإجبار شركات التكنولوجيا على التغيير الا في حالة وجود ضغط شعبي قوي على تلك الحكومات، تمامًا مثل ما يحدث بعد ارتكاب عمل من أعمال العنف، وهذا بدوره سيحدث حين تقوم شركات التكنولوجيا بمقاومة أي تغييرات كبيرة أو مفاجئة قد تحدث في القوانين، وتلك أيضًا لن تكون اللحظة المناسبة لإجراء نقاشات عامة حول تلك الأزمة.

وأغلب الظن أن شركات التكنولوجيا سيكون عليها الرجوع خطوة إلى الوراء، وذلك ببساطة لأن تلك الشركات لا تتمتع بالمهارة التي تؤهلها لاختراق بيئة سياسية بامتياز، وهناك العديد من شركات التكنولوجيا الكبرى قامت بالتوقيع على وثيقة نداء كرايست تشيرش، كما أن مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج سافر الأسبوع الماضي إلى باريس لمناقشة الخطط مع الرئيس ماكرون (على الرغم من أن زوكربيرج لم يحضر القمة التي شهدت إطلاق نداء كرايست تشيرش)، وقد بات زوكربيرج على عِلم بالأخطار التي تحيط بمؤسسة فيسبوك حيث باتت تحت الهجوم في الولايات المتحدة واوروبا.

وقد أثبت هجوم كرايست تشيرش مجددًا كيف يمكن للكراهية أن تنمو عبر شبكة الإنترنت، وكيف يمكن لهذا الانفجار أن يصيب العالم الحقيقي فجأة، وتكتمل الأزمة بوجود خاصية البث المباشر عبر الإنترنت التي تعيش في الأماكن المظلمة للأبد، والموجودة على شبكة الإنترنت، وقد باتت شركات التكنولوجيا مُجبرة على مواجهة الضرر الحقيقي الذي يتسلل من العالم الافتراضي إلى العالم الحقيقي، ويجب أن يكون نداء كرايست تشيرش جزءًا من حملة أوسع تقوم بها الحكومات، وتحذير يتم توجيهه إلى شركات التكنولوجيا بأنها إن لم تقم بتغيير سياستها فإن التغيير سيأتي على يد آخرين، وربما قريبًا جدًا.