حرب “ناغورني قره باغ” سببها انعزال الولايات المتحدة عن العالم

نيل هاور

AFP Photo: Bulent Kilic

يريفان، أرمينيا – ثمة كتابات كثيرة عن تراجع نفوذ الولايات المتحدة وقوتها في جميع أنحاء العالم، وصعود القوى العالمية المتنافسة، ومنها روسيا والصين. ولما كان الأساس الكامن وراء هذا الرأي، وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تضاءلت قوتها بالنسبة لخصومها، قد لا يكون دقيقًا بالكلية، فلا يمكن إنكار أن واشنطن تراجعت عن أنشطتها الدولية، ولاسيما مشاركتها في السيطرة على الصراعات الخارجية. ومع تراجع دور واشنطن، اغتنم آخرون تلك الفرصة السانحة أمامهم. وشهد الأسبوعان الماضيان أحد الأمثلة الصارخة على عواقب ذلك التراجع: ألا وهو اندلاع حرب واسعة النطاق مرة أخرى بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم “ناغورني قره باغ” المتنازع عليه.

وتبدأ جذور الصراع في “ناغورني قره باغ” الواقعة في جنوب القوقاز، عند نقطة التقاء الحدود الروسية والتركية والإيرانية، في أوائل القرن العشرين. وشهدت المنطقة نزاعات مستمرة ومنتظمة على مدار العقود الثلاثة الماضية. وفي عام 1988، أطلقت إحدى الحركات القائمة منذ فترة طويلة احتجاجات جماهيرية لتوحيد منطقة “ناغورني قراه باغ” المتمتعة بالحكم الذاتي – وهي منطقة ذات أغلبية أرمينية داخل أذربيجان السوفيتية – مع أرمينيا السوفيتية نفسها. وشهدت السنوات الثلاث التالية صراعًا عرقيًا متزايدًا في جميع أنحاء المنطقة، إلى أن أدى انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر عام 1991 إلى تحويل الصراع إلى حرب واسعة النطاق بين أرمينيا المستقلة حديثًا وأذربيجان.

وعندما انقشع غبار الحرب في عام 1994، كان النصر حليف أرمينيا (ومواطنيها العرقيين في “قره باغ”)، بعد أن بسطت أرمينيا سيطرتها منطقة “ناغروني قره باغ” ذات الحكم الذاتي، وعلى سبع مناطق مجاورة يسكنها الأذريون الذين طُردوا منها. وأصبحت جمهورية “ناغورني قره باغ”، المستقلة بحكم الواقع ولكنها بحكم القانون مقاطعة في أذربيجان، في حالة من عدم الاستقرار.

وعلى الرغم من تبادل إطلاق النار عبر خط المواجهة بشكل منتظم، فلا يزال الوضع الراهن قائم إلى حد كبير خلال العقدين ونصف العقد التاليين، باستثناء اندلاع حرب في عام 2016، والمعروفة باسم “حرب الأيام الأربعة”. ولكن الموقف تغير الآن.

وبعد اندلاع أعمال العنف لفترة قصيرة في يوليو/تموز، ألقت جهة فاعلة بثقلها في الصراع: إنها تركيا. وبينما كانت أنقرة دومًا حليفًا لباكو، بدأت أنقرة في التعبير عن دعمها القاطع لأذربيجان بطريقة لم يسبق لها مثيل، بما في ذلك إجراء مناورات عسكرية مشتركة مكثفة بعد المناوشات العسكرية في يوليو/تموز.

وبعد تأكيدات بالحصول على الدعم الكامل من حليفها الإقليمي، بدأ رئيس أذربيجان “إلهام علييف” في تجهيز قواته للحرب، وهي العملية التي بلغت ذروتها في السابع والعشرين “27” من سبتمبر/أيلول بهجمات على العديد من المواقع الأرمينية في “ناغورني قره باغ”. وسرعان ما تصاعد القتال إلى حرب شاملة.

وكان السبب الرئيسي وراء الهدوء النسبي لهذا “الصراع المجمد” على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية هو التكافؤ العسكري النسبي بين الجانبين. وبينما تمكنت أذربيجان، مدعومةً بأرباح النفط، من تحديث قواتها بشكل كبير، اعتقدت باكو أنها لن تكون قادرة على قلب الميزان العسكري بشكل حاسم.

ولكن مع انشغال إدارة ترامب بحملة إعادة انتخابه هذا العام، وانشغالها المتزايد بشئونها الداخلية، اغتنم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الفرصة. ومن خلال مشاركته الفعلية في النزاعات والخلافات المتعلقة بسوريا والعراق وليبيا واليونان وقبرص، رأى أردوغان أن الدعم التركي المباشر سيكون قادرًا على تحويل الصراع بشكل حاسم.

وخلال أسبوعين تقريبًا من القتال وحتى الآن، جاء الدعم التركي في شكل شحن أكثر من ألف من المرتزقة السوريين لمحاربة القوات الأرمينية على الأرض، ونشر (وربما العملية التركية) طائرات مُسيرة من طراز “بيرقدار بي تي 2”. في حين أن المكاسب الإقليمية الأذربيجانية كانت متواضعة حتى الآن، تؤكد أدلة مقاطع الفيديو المنتشرة على أن الطائرات المُسيرة تقوم بقصف مكثف للدبابات والمدفعية والمعدات العسكرية الأرمينية.

وكان الجزء الأكثر أهمية في الحسابات التركية، هو أنه لن يكون هناك معارضة دولية كبيرة، وخاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. ويبدو أن أذربيجان وافقت على الدعم التركي، وذلك في ضوء تحذيرها الواضح للسفارة الأمريكية في باكو قبيل الأعمال العدائية (حيث أصدرت السفارة الأمريكية تنبيهًا للمواطنين الأمريكيين بعدم السفر خارج منطقة باكو قبل يوم من اندلاع الحرب).

ويبدو أن هذا التقييم له ما يبرره. لم يكن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو من بين آخر المسؤولين الغربيين الذين أصدروا بيانًا عن “قلقلهم” بشأن القتال، ولم يكن هناك ما يضاهي الدبلوماسية المكثفة التي أجراها وزير الخارجية آنذاك جون كيري خلال حرب الأربعة أيام في العام 2016. ولاتزال إدارة ترامب غير الراغبة في الانخراط في القتال، والمشتتة بالانتخابات القادمة، تكتفي بالمراقبة ومشاهدة المذبحة.

ومع ذلك، فهذا الموقف ليس بالغريب على إدارة ترامب؛ حيث بدأت الولايات المتحدة في عدم الاكتراث للمواجهات الإقليمية الكبرى في عهد باراك أوباما. وعندما انزلقت سوريا إلى الحرب الأهلية الجماعية، رفضت الولايات المتحدة لعب دور قيادي. ثم تكرر هذا الوضع في ليبيا. واليوم، باتت ليبيا مقسمة بالتساوي تقريبًا بين طرفين رئيسيين متحاربين.

واليوم، تسير نفس الخطة في “ناغورني قره باغ”؛ حيث أشعلت تركيا المشاركة في الصراع مرة أخرى بإلقاء ثقلها خلف أذربيجان. وتلتزم روسيا، حليف أرمينيا بموجب المعاهدة، بالهدوء حاليًا، لكن التقارير تشير إلى أنها قامت بنشر مرتزقة فاجنر على الأرض، ومن شبه المؤكد أن موسكو ستتدخل أكثر في مرحلة ما.

وتواجه إيران أيضًا معضلات عدة؛ حيث نشرت دبابات وقوات على حدودها مع “قره باغ” وسط توترات متفاقمة بسبب وجود مرتزقة سوريين مدعومين من تركيا، واضطرابات عرقية في المدن المأهولة بالجنسية الأذربيجانية في شمال غرب إيران.

ورغم البيانات التي يصدرها الاتحاد الأوروبي، فإنه يظل منقسمًا وغير قادر على جلب الأطراف بمفردها إلى طاولة المفاوضات. وبدون جهود دبلوماسية محتملة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في الأفق، فمن المرجح أن تزداد الحرب سوءًا.

شجب الكثيرون إخفاقات الولايات المتحدة في بسط هيمنتها وتراجع دورها القيادي في العالم. ومن المؤكد أن هناك الكثير ممن يشجبون تلك الإخفاقات. ومع ذلك، فمن الواضح أن البديل – وهو عالم تضخ فيه القوى الإقليمية الموارد في حروب بالوكالة في مقامرة منها لإحداث النتيجة المرجوة، مع عدم اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية في كثير من الأحيان ولو من باب الشعور بالمسؤولية – أسوأ بكثير.

 

نيل هاور، محلل أمني، ويقيم في مدينة “تبليسي”، عاصمة جورجيا. يهتم “نيل” في أعماله بالصراع السوري، ولاسيما الدور الروسي، والسياسات والأقليات في جنوب القوقاز، والعنف والسياسات في شمال القوقاز، ولاسيما في دولتي الشيشان وإنجوشيا.