اتفاقية ناجورنو- كاراباك ما بين ترسيخ النفوذ الروسي في القوقاز والقضاء على النفوذ الأمريكي هُناك

نيل هاور

AFP photo: Alexander Nemenov

لم تقتصر اتفاقية وقف إطلاق النار التي أبرِمَت في 10 نوفمبر بين أرمينيا وأذربيجان وبوساطة من فلاديمير بوتين، على إقرار السلام (الذي نرجو ألا يكون مجرد سلام مؤقت) في ناجورنو- كاراباك فقط؛ بل أسفرت أيضًا عن ترسيخ النفوذ الروسي في منطقة القوقاز. وبالنسبة للمُؤيدين الذين يرون أن: “لِم لا؟ فتلك المنطقة تقع على أعتاب موسكو على أي حال”، فهم بالتأكيد لديهم وجهة نظر تُحترم، ولكن هل تصب تلك الخطوة في صالح المنطقة في نهاية المطاف؟ لا شك أن مصلحة المنطقة كانت ستشهد المزيد من الدعم في حالة اتخذت واشنطن أي إجراء في منطقة جنوب القوقاز خلال الشهر ونصف الماضيين، واليوم فقدت واشنطن نفوذها في المنطقة للسنوات الخمس القادمة وربما أكثر.

ويبدو وقف إطلاق النار دائمًا، وحتى كتابة هذه السطور، لم تحدث أي انتهاكات، لكن كلا الطرفين لديهما دوافع قوية لضبط النفس: مع وجود ما يقرب من 2000 جندي من قوات حفظ السلام الروسية، والذين بدأت طلائعهم في التوافد إلى منطقة كاراباك عبر الحدود الأرمينية في غضون ساعات من الإعلان عن الاتفاقية. وعقب مرور أسبوع على توقيع الاتفاقية، أنشأت القوات الروسية 24 نقطة مراقبة على جانبي خط التماس بين القوات الأرمينية والأذربيجانية، وممر لاتشين الاستراتيجي الذي يربط بين كاراباك والأراضي الأرمينية.

تجسدت هذه الحقائق على أرض الواقع من خلال وجود روسيا في المنطقة بصفتها الجهة الدولية الفاعلة والوحيدة فيما يخص اتفاقية وقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان، على النحو الذي لم يترك سوى مجال ضئيل لتدخل القوى الدولية الأخرى في تلك العملية، ولا سيما الولايات المتحدة التي وجدت نفسها خارج المسؤولية بعد غيابها التام خلال هذا النزاع. ومع بقاء شهرين على تنصيب جو بايدن بشكل رسمي، كيف سيكون الموقف عقب دخول الرئيس الأمريكي الجديد إلى البيت الأبيض – وما هي الخيارات التي ستُتاح أمام واشنطن لكي تُشارك في هذه القضية بشكلٍ مُجدٍ؟

وهناك مجال كبير، على الورق على الأقل، أمام الولايات المتحدة للتدخل فيما يحدث لاحقًا في كاراباك. ومن أشد القضايا تعقيدًا في نِزاع كاراباك؛ هي الوضع النهائي والدقيق للمنطقة التي يقطنها الأرمن –والتي تقع تحت سيطرتهم– وهي القضية التي لم تجد حلًا نهائيًا إلى الآن، حتى الاتفاقية المُبرَمَة في الأسبوع الماضي لم تتطرق إلى ذكرها. وتستطيع الدبلوماسية الأمريكية الملتزمة أن تلعب دورًا محوريًا في هذا الإطار. وهناك سابقة هامة في هذا الصدد: كان ذلك في مدينة كي ويست بولاية فلوريدا عام 2001 عندما التقى الطرفان؛ مُمثلَين بالرئيس الأرميني آنذاك، روبرت كوتشاريان والرئيس الأذربيجاني الحالي إلهام علييف، وكانا أقرب ما يُمكن من التوصل إلى حل على نحو لم يحدث من قبل.

لكن هذا الأمر مر عليه وقت طويل على أي حال، والدولة التي رعت تلك المبادرة باتت الآن غير ذات صلة بتلك القضية، وما جرى في كي ويست كان بمثابة مبادرة من مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي والمكونة من 11 دولة، ترأسهم المجموعة الثُلاثية (الترويكا) المؤلفة من روسيا والولايات المتحدة وفرنسا، وهي الدول التي كانت بمثابة المحرك الرئيسي لتنظيم المفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان حول قضية كاراباك.

لكن مجموعة مينسك فشلت فشلاً ذريعًا. وانتقد قادة كلٌ من أرمينيا وأذربيجان مِرارًا مدى فاعلية دول المجموعة وأهميتها، وبعد مرور 25 عامًا دون إحراز تقدم يُذكر وعدم قيام مجموعة مينسك بأي دور جوهري لإيقاف القتال الذي نَشَب مؤخرًا، والواقع أن الدور الأحادي الذي لعبته روسيا من أجل التوصُل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، ودخول القوات الروسية إلى كاراباك؛ يُشيران إلى أن موسكو باتت تُسيطر على الموقف في الوقت الراهن.

كيف إذن يُمكن لإدارة بايدن أن تلعب دورًا بنّاءً في هذا الصِراع؟ والأهم هو كيف تحاول تلك الإدارة مُوازنة النفوذ الروسي الراسخ في المنطقة؟، والأمر ببساطة وباختصار يكمن في أن واشنطن لا يُمكنها أن تفعل شيئًا سوى القليل، فقد كانت أمامها فُرصة سانحة على مدار 45 يومًا خلال تلك الحرب والتي كان يُمكنها أن تُرسِّخ وجودها كجِهة فاعلة أساسية خلال تلك الفترة، ولكن بسبب الانتخابات والحالة العامة التي تمر بها إدارة ترامب، لم تتمكن واشنطن من أن تقوم بهذا الدور نِهائيًا.

كان فقدان واشنطن لتلك الفرصة والسماح لموسكو بالتحكُم في كيفية إنهاء الحرب؛ يعني أن روسيا الآن تستقر بقواعدها العسكرية في المنطقة التي تضم الجمهوريات الثلاث بجنوب القوقاز. وأي تعامل أمريكي في كاراباك اليوم سيبدأ التراجع خطوة كبيرة للخلف، ويعود الفضل في ذلك إلى الواقع غير المُناسب الذي تشهده المنطقة اليوم.

وعلى المدى القريب، سيكون هناك قدر كبير من الغموض بشأن معرفة الإجراءات الملموسة التي تستطيع واشنطن القيام بها ليكون لها دور في هذه القضية، وهناك أجزاء كبيرة في الاتفاقية الحالية بين أرمينا وأذربيجان تحتاج للتوضيح من الناحية العملية، بما في ذلك الخطوط المُحدَّدَة للسيطرة على الأرض، ولكن ليس من الوارد أن ينطوي أي من ذلك على وجود تأثير لواشنطن.

ربما تستطيع الولايات المُتحدة المُساعدة في تهدئة الأزمة السياسية الحادة التي تمر بها أرمينيا حاليًا، لكن من المُحتَمَل أيضًا أن يتم حل هذا الأمر (أو يزداد سوءًا على نحو يتجاوز القُدرة على المساعدة) قبل حلول 20 يناير.

وبالنظر إلى المستقبل؛ من المُمكن أن تُمثل انتهاء فترة انتداب العملية الروسية لحفظ السلام في كاراباك، والتي ستستغرق خمس سنوات، تاريخًا منطقيًا يجب السعي لتحقيقه، فضلاً عن رغبة الولايات المتحدة في أن يكون لها دور فيما سيحدث لاحقًا مع قوات حفظ السلام الدولية اللازمة لتأمين المنطقة. ولسوء حظ واشنطن، لا تميل قوات حفظ السلام الروسية إلى مغادرة منطقة نشرت قواتها بها بالفعل، مثلما حدث في مولدوفا وجورجيا (اللتان استضافتا الحاميات الروسية لأكثر من 20 عامًا)، ومن المُستَبعَد تمامًا أن تنسحب القوات الروسية المنتشرة الآن في كاراباك في نهاية عام 2025.

والواقع أن الولايات المُتحدة أضاعت فُرصتها في هذا الصراع حتى الجيل القادم. ومن المُمكن أن تُضيع إدارة بايدن القادمة وقتها في أمور هامشية، وأن تلعب دورًا في بعض القضايا الصغيرة ذات الصلة، بينما استقر الحال بروسيا حاليًا، سواء في الإطار القانوني أو العملي، وصارت القوة الدولية التي ستُحدد مصير كاراباك.

وإزاء هذه الحقيقة، نجحت روسيا في ترسيخ نفوذها بتلك المنطقة، و القضاء على نفوذ الولايات المُتحدة بها. وأفضل ما يمكن للرئيس الأمريكي القادم أن يأمل في فعله لاستعادة النفوذ الأمريكي في جنوب القوقاز هو مضاعفة الجهود في جورجيا، التي لديها الكثير من المشكلات الخاصة بها والصراعات التي تدعمها روسيا والتي لم تجد حلًا حتى اليوم. وكشفت الحرب بين أرمينيا وأذربيجان عن أن مجرد هفوة بسيطة ارتكبتها واشنطن في الاهتمام بالقضية قد ينجم عنها تداعيات طويلة المدى.

نيل هاور: محلل أمني يقيم حاليًا في العاصمة الأرمينية يريفان، حيث يقوم بمتابعة الحرب بين أرمينيا وأذربيجان كان يقيم مؤخرًا في ستيباناكيرت بإقليم ماغورني، كاراباك، ويستقر عادةً في مدينة تبليسي عاصمة جورجيا، ويتركز عمله حول السياسة والأقليات والعنف في منطقة القوقاز إلى جانب قضايا أخرى..