ناغورني قره باغ: الشتاء سوف يكشف عن سبب الحرب

نيل هاور

AFP photo: Karen Minasyan

ستيباناكيرت، ناغورني قره باغ – منذ السابع والعشرين من سبتمبر؛ انخرطت القوات الأرمينية والأذربيجانية في القتال من أجل السيطرة على منطقة ناغورني قره باغ المتنازع عليها، وهي المنطقة المستقلة بالفعل والتي بقيت بحكم القانون جزءًا من أذربيجان، وقد تكبّد الطرفان خسائر فادحة. وفصل الشتاء أيضًا بات على الأبواب، وهذا الشتاء على وجه الخصوص سيقدم لنا نظرة خاطفة حول السبب الذي دفع بأذربيجان لأن تبدأ الحرب، تلك الحرب التي بدأتها بدعم وربما بتشجيع من تركيا.

أولًا هناك الخسائر البشرية، فقد أعلنت أرمينيا ومواطنيها في قره باغ عن مقتل أكثر من 500 شخص خلال المعارك، وهو رقم هائل قياسًا على عدد السكان الأرمن في أرمينيا وقره باغ الذي بالكاد يبلغ ثلاثة ملايين نسمة وقد رفضت أذربيجان إصدار بيانات حول عدد القتلى، وذلك على الرغم من ظهور مقاطع فيديو لجثث مقاتلي أذربيجان المكدسة إلى جانب بعضها البعض عقب اندلاع معارك مختلفة، مما يشير إلى ارتفاع عدد قتلى الجيش الأذربيجاني أيضًا، والأهم هو الخسائر التي لحقت بمدرعات أرمينيا/قره باغ جراء الهجمات المُميتة التي تمت بواسطة الطائرات المُسيّرة التركية من طراز بيرقدار تي بي 2: وقد أثبتت التحليلات المستقلة لمقاطع الفيديو أن كل من يريفان وستيباناكيرت قد خسرتا ما لا يقل عن 80 دبابة و50 قطعة من المدفعية التقليدية وراجمات الصواريخ و170 من الشاحنات وسيارات النقل.

لكن وبينما تعُد تلك الخسائر مُدمِرة؛ فإن واقع العمليات العسكرية على الأرض لا يتوافق مع تلك الخسائر، وقد أعلن الرئيس الاذربيجاني إلهام علييف عدة مرّات أن تلك المعركة ستكون آخر معارك قره باغ، مشيرًا إلى أن “الوقت قد حان لتحرير جميع أراضينا المحتلة”، وقد أعلن رئيس أذربيجان في الثالث من اكتوبر أن القوات الأذربيجانية نجحت في الاستيلاء على أولى القرى بعد اندلاع الحرب، وهي قرية مداغيس التي تقع في أقصى نقطة شمال شرقي قره باغ، وتزامن هذا الإعلان مع حالة من الفرحة العارمة سادت شوارع باكو، ومن حينها نجحت القوات الأذربيجانية في السيطرة على قرية تاليش (تقع أيضًا شمال شرقي قره باغ) وعدد أخر من القرى الغير مأهولة جنوب شرقي قرة باغ.

هذا هو ما آلت إليه الأمور، وعلى الرغم من السيطرة الجوية التامة والخسائر الهائلة في المعدات التي لحقت بقوات أرمينيا وقره باغ؛ إلا أن التقدم الأذربيجاني لم يستمر، وقد أشارت تحليلات صدرت حديثًا حول حجم الأراضي التي سيطر عليها جيش أذربيجان داخل إقليم قره باغ منذ بداية الحرب؛ إلى أن القوات الأذربيجانية سيطرت على نسبة ضئيلة من تلك الأراضي تبلُغ 2.8% من إجمالي مساحة قره باغ.

ولو كانت الحرب قد اندلعت في وقت مبكر من العام الحالي لكانت التنبؤات الخاصة بها غير مشجعة، لكن بدء الحرب في وقت متأخر من العام سيساعد القوات الأذربيجانية في الغالب على التقدم نحو الأراضي المستقرة في قره باغ، وبحيث تستفيد تلك القوات من قدرة الطائرات المُسيّرة على تحطيم تشكيلات وعتاد العدو، ومع ذلك فإن اختيار أواخر سبتمبر لبدء الهجوم في منطقة القوقاز يعُد توقيتًا محكومًا عليه بالفشل، والآن وقد وصلنا إلى منتصف أكتوبر فقد بات الشتاء على الأبواب.

وخلال الأسبوعين القادمين سيبدأ الجليد في التساقط، وفي غضون شهر واحد ستصبح الأرض مغطاة بالجليد، وحينها ستتعثّر العمليات الهجومية بالطبع، وستصبح تحركات القوات والمركبات صعبة للغاية، كما أن الخدمات اللوجستية وخطوط الإمداد سوف تتعرّض لصعوبات إضافية، والرياح العاتية سوف تؤثر على عمليات الطائرات المُسيّرة مما يعني فقدان القوات الأذربيجانية للميزة الهائلة التي تملكها بصورة تدريجية.

علاوة على ذلك هناك مسألة التضاريس، وحتى اليوم نجحت القوات الأذربيجانية في التقدُم عبر الأراضي المنخفضة، حيث استفادت من ميزة التقدُم في عدة مناطق يبلُغ فيها الفارق بين مواقعها ومواقع القوات المعادية عدة أمتار من حيث الارتفاع، والآن بات على تلك القوات أن تصعد عبر مناطق جبلية من أجل الوصول لمواقع القوات المعادية، وحينها سيصبح بمقدور القوات الأرمينية استهداف الجيش الأذربيجاني، ولهذا السبب أطلق الروس على تلك المنطقة “منطقة قره باغ الجبلية”.

علاوة على ذلك فإن جنود الجيش الأذربيجاني قد بدأوا للتو خوض أولى معاركهم داخل المدن، ومنذ بداية المعارك وحتى اليوم اعتاد هؤلاء الجنود على اجتياح أراضِ خالية إلى حد كبير أو السيطرة على مناطق غير مأهولة منذ زمن بعيد، وحتى قرى تاليش ومداغيس فإنها لا تضم سوى عشرات المنازل.

واليوم فإن القوات الأذربيجانية تواجه أولى معاركها في مستوطنة حقيقية، وهي بلدة هادروت التي بلغ تعداد سكانها وقت السِلم 4000 نسمة، والقتال استمر في تلك البلدة منذ نجحت القوات الخاصة الأذربيجانية في اجتياحها، وفي النهاية تم طرد تلك القوات من البلدة بعد معارك شرسة من منزل إلى منزل، والطائرات المُسيّرة يمكنها إيقاف التعزيزات لكنها لا تستطيع الدخول إلى البنايات وقتل جنود العدو المتحصنين داخلها.

وهجمات الشتاء تعُد صعبة للغاية بالنسبة للجيوش المُدرّبة التي تقاتل على أراضِ مستوية، والقوات المسلحة الأذربيجانية لا تمتلك أيًا من تلك المميزات، وبينما يعُد أداء وحدات المشاة مقبولًا؛ فإن الخبراء العسكريين لا يعتبرون أداء تلك القوات مثاليًا، وتلك القوات سيقع على عاتقها في الغالب التقدم صعودًا عبر أراضِ شاقة تغطيها الثلوج من أجل الوصول لمواقع العدو الذي يتحصن في البلدات الحضرية.

وبات الوقت يداهم القوات المسلحة الأذربيجانية، ولم يتبق أمام تلك القوات سوى بضعة أسابيع من اجل التقدُم بكل قوتها، وذلك قبل أن تصبح عوامل الطقس وحدها سببًا يجعل تقدُم تلك القوات أمرًا مستحيلًا، وبالنظر إلى التصريحات التي تتسم بالبلاغة التي صدرت عن إلهام علييف يبدو أن باكو لا تخطط للتراجع عن القتال في المستقبل المنظور، ومن غير المرجح أن تتوقف الأعمال العدائية ولا توجد فرصة للتقدُم، لذا فإن تلك الحرب من الممكن أن تتحول إلى حرب استنزاف.

ويمكن للقوات الأذربيجانية أن تتحصن انتظارًا لفصل الربيع حتى تواصل تقدمها، كما يمكن لنظيرتها الأرمينية أن تحصل على معدات جديدة وتفعل مثل القوات الأذربيجانية، أما فيما يخص ستيباناكيرت وباقي مناطق قره باغ والتي باتت شبه خالية من السكان سيبقى وضعها كما هو عليه، لكن تلك المناطق ستبقى عُرضة للقصف العشوائي بصورة منتظمة.

لكن تغيُر الفصول من الممكن أن يحمل معه الأمل كذلك: الأمل في أن يؤدي الواقع على الأرض إلى إجبار علييف على الاعتراف بما هو محل شك لدى البعض في الأساس حول الدوافع الحقيقية للرئيس الأذربيجاني ، وأن يتم استئناف المفاوضات بناء على الوضع الجديد الذي شهد تحسُن موقف أذربيجان على الأرض.

وبطريقة أو بأخرى فقد أفصح علييف عن وجهة نظره، والقيادة السياسية الأرمينية تدرك أنها لن تحتمل وضعها العسكري في قره باغ لمدة طويلة، وفقدان القوات الأرمينية 10 دبابات وربما مركبات أخرى بصورة يومية بفعل ضربات الطائرات المُسيّرة التي لا يمكن حصر عددها هو أمر لا يمكن للقيادة السياسية أو تعداد السكان أن يتحمله، ومع تدخُل الضامنين والوسطاء الدوليين يجب على أرمينيا أن تذهب إلى المفاوضات وهي على استعداد لأن تتقبّل فكرة التخلّي عن بعض الأراضي المحتلة المحيطة بناغورني قره باغ بصورة نهائية، وذلك من أجل الوصول لحل “مناسب” لهذا الصراع المستمر منذ عقود.

وتلك الأمور لا يعُد تحقيقها مستحيلًا، لكن المنطق يقول أن هناك مسارين متقاربين لهذا الصراع يمكن أن تتجه إليهما الأمور مع انتهاء أكتوبر وحلول نوفمبر، وبينما سيعمل الشتاء على وقف النزاع فإنه سيوفر أيضًا فرصة من أجل تحقيق السلام.

نيل هاور، محلل أمني يقيم حاليًا بمدينة ستيباناكيرت في ناغورني قره باغ، حيث يقوم بمتابعة الحرب بين أرمينيا واذربيجان، وهو في الأصل يقيم في مدينة تبليسي عاصمة جورجيا، ويتركز عمله حول السياسة والأقليات والعنف في منطقة القوقاز إلى جانب قضايا أخرى.