حقيقة الدور التركي – الروسي في الصراع بين أذربيجان وأرمينيا

عمر تاسبينار

AFP Photo: RazmInfo/ Armenian Defense Ministry

بات واضحًا الآن أنه لن يكون هناك نصر سريع في الصراع الدائر بين أرمينيا وأذربيجان، وذلك على الرغم من الأسلحة المتطورة التي تملكها باكو والعزيمة السياسية من أجل استرداد ناغورني قره باغ، والواقع أن هذا الإقليم الانفصالي، الذي يعُد قانونًا جزء من أذربيجان ولكن يسيطر عليه الأرمن على مدار العقود الثلاثة الماضية، شهد اندلاع مواجهات عسكرية بصورة متكررة، وفي هذا الإطار، فإنه لم يكن “صراعًا مُجمّدًا”، على الرغم من استخدام هذا الوصف بشكل متكرر – وهو الوصف المكروه من الطرفين – إلا أن الصراع قد استمر. وقد جاء بأحد التقارير الإخبارية أن سكان ناغورني قره باغ “يخططون لحياتهم آخذين في اعتبارهم هذا الصراع، وأنهم يعيشون حول هذا الصراع ومختلطون به بصورة مباشرة”. ومن بين جميع الصراعات الإقليمية التي اندلعت في حقبة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فإن الصراع بين أذربيجان وأرمينيا يعُد أكثر تلك الصراعات خطورة وذلك لثلاثة أسباب.

الأول، هو احتمالية تحول الصراع المحلي الإثني إلى مواجهة كبرى بين عضو متطور في حلف شمال الأطلسي (ناتو) “تركيا” وبين روسيا التي تسعى للانتقام كما تسعى للتأكيد على قوة وضعها في “المحيط الإقليمي”، وبينما تدعم تركيا أذربيجان بشكل واضح فإن روسيا لديها قاعدة عسكرية في أرمينيا كما أن موسكو تعتبر أرمينيا بمثابة دولة تابعة لها، لكن ووفقًا للنموذج الروسي للإمبريالية الحديثة فإن موسكو تبيع الأسلحة أيضًا لأذربيجان، وبمعنى آخر فإن روسيا تلعب على الوجهين.

وعلى أي حال فإن خطر اندلاع مواجهة شاملة بين تركيا وروسيا بسبب ناغورني قره باغ هو احتمال ضعيف للغاية، وعلى الرغم من السلوك التركي العدواني المتصاعد خلال دعمها لشقيقتها أذربيجان، فإن أنقرة وموسكو لا تعتقدان أن تلك المنطقة تستحق التضحية بالدم أو الأموال، ومنذ اعتذار تركيا عن إسقاط المقاتلة الروسية على الحدود التركية السورية منذ 5 سنوات، فإن العلاقات بين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان تبدو ودية كما أن الرئيسين على تواصُل بصورة دائمة.

واليوم بات من الواضح أيضًا أنهما أصبحا على طرفي النقيض فيما يخص جميع القضايا الإقليمية التي تتمتع بأهمية استراتيجية لكلتا الدولتين، وعلاوة على أنهما أصبحا وراء حربين بالوكالة، في كل من سوريا وليبيا، فإن هناك خلافات حادة بين أنقرة وموسكو حول القرم والبحر الأسود وقبرص واكتشافات الغاز شرقي البحر المتوسط والبلقان ومصر وإسرائيل والقضية الكردية والإخوان المسلمين، واليوم ومع اشتعال الصراع والرغبة في الانتقام في ناغورني قره باغ، فإن هناك حرب ثالثة بالوكالة باتت تلوح في الآفاق بين أنقرة وموسكو اللذان يعتبران على طرفي النقيض من تلك القضية.

والسبب الثاني الذي جعل النزاع في ناغورني قره باغ خطيرًا بشكل استثنائي هو سبب ديني، فالصراع بين أرمينيا وأذربيجان يعُد بمثابة مواجهة بين الجبهة “الإسلامية الأذربيجانية – التركية” ضد “أرمينيا المسيحية”، وقد وصف رئيس الوزراء الأرمني المنتخب ديمقراطيًا في عام 2018 نيكول باشينيان الصراع بين أرمينيا وأذربيجان في تصريحات له نشرتها صحيفة نيويورك تايمز الأسبوع الماضي وصفه بأنه “مواجهة بين الحضارات”.

وربما يكن على حق، فكل من فرنسا وروسيا والولايات المتحدة تستضيف الملايين من اللاجئين الأرمن، والرأي العام والمؤسسات السياسية في تلك الدول الثلاث تتعاطف بشكل واضح مع يريفان ومع المصاعب التي تواجه الأرمن الذين يعيشون تحت قبضة الأتراك، وكل من فرنسا وروسيا والولايات المتحدة أيضًا يشكلون مجموعة مينسك، حيث بات الوصول إلى حل دبلوماسي للنزاع في ناغورني قرة باغ في إطار منظمة الأمن والتعاون الأوروبي أمرًا بعيد المنال.

والمفارقة العجيبة أن الدولة الإسلامية الوحيدة التي تتحدى هذا النمط الديني المألوف والخاص بصراع الحضارات هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ حيث اعتادت طهران على دعم أرمينيا خلال صراعها مع أذربيجان، وهذا يعود إلى كراهية إيران للقومية الأذربيجانية، والمعلوم أن 25% من سكان إيران ينحدرون من أذربيجان، وإن ميكافيللي ذاته ليفتخر بالأسلوب النفعي الذي يتبعه ملالي طهران.

والسبب الثالث والأخير هو الطبيعة الدموية لهذا الصراع، وقد انتصرت أرمينيا في الحرب التي دارت رحاها بين عاميّ 1991 – 1994 لكنها تكبّدت ثمنًا غاليًا لهذا الانتصار، وقد راح ضحية تلك الحرب عشرون ألف شخص فضلًا عن تهجير ما يزيد على مليون شخص من البلدين غالبيتهم من الآذريين، وجرت أحداث مأساوية حيث ارتكب الجانبان الاذربيجاني والأرمني فظائع لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا.

وبالنسبة للأرمن فإن اللحظة الحاسمة أتت مع المذبحة التي شهدتها مدينة سومكيت القريبة من باكو حين قام حشد من الآذريين بقتل العشرات من الأرمن في العام 1988، أما بالنسبة للأذربيجانيين، فإن أسوء المناسبات أتت في العام 1992 حين قامت القوات الأرمنية بذبح المئات من الأذربيجانيين الذين كانوا قد فروا من مدينة خوجالي، وإلى جانب تلك الكراهية المتبادلة التي استمرت إلى التاريخ الحديث يجب أن نُضيف حقيقة تاريخية مؤداها أن الأمة الأرمنية كانت معروفة بحدث واحد: عملية التطهير العرقي التي تمت في العام 1915 وراح ضحيتها أكثر من مليون ونصف من الأرمن.

وحينما ننظر إلى الأحداث الحالية، فإن ما يجعل النزاع الحالي أكثر خطورة هو تصميم تركيا على تقديم الدعم العسكري للأشقاء في أذربيجان فضلًا عن التسليح الهائل الذي حصلت عليه أذربيجان أساسًا من تركيا وإسرائيل وروسيا، واليوم وبينما تمتلك أذربيجان التكنولوجيا والمال فإن الجغرافيا تقف بوضوح إلى جانب الأرمن الذين يستطيعون الدفاع عن ناغورني قره باغ من مواقعهم المرتفعة، وبما أن النصر العسكري يبدو بعيد المنال فإن أفضل ما يمكن للأذربيجانيين الحصول عليه هو تحرير بعض المناطق المحيطة بناغورني قره باغ التي تقع في الأراضي المنخفضة.

واليوم فإن خطر التصعيد العسكري لا يتمثل في مواجهة مباشرة بين تركيا وروسيا، لكنه يتمثل في اندلاع حرب شاملة بين أذربيجان التي تمتلك تسليحًا هائلًا وأرمينيا التي تملك العزيمة، وكلا الطرفين يستهدفان المناطق المدنية والسكان المدنيين، وأذربيجان التي تشعر بالإحباط تشن حملة عسكرية تستهدف ستيباناكيرت العاصمة الإقليمية لأرمينيا، كما أن أرمينيا تهدد بفعل ذات الشيء باستهداف مدينة جانجا، وهي ثاني أكبر المدن في أذربيجان بعد العاصمة باكو.

ومع التهديد باستهداف أعداد هائلة من المدنيين ستتدخل روسيا من أجل وقف إطلاق النار بشكل دائم، وعلى الرغم من الانتقادات الصحيحة التي توجه لموسكو بسبب قيامها باللعب على الجانبين، فإن العالم سيشعر ببعض الراحة حين ينظر إلى حقيقة أن بوتين وعلى العكس من أردوغان، الذي يميل إلى الإبقاء على الوضع الراهن، وهو الوضع الذي يتوافق مع المصلحة الروسية في الهيمنة على تلك المنطقة التي كانت يومًا ما تتبع الاتحاد السوفيتي السابق.

عمر تاسبينار هو أحد كبار الزملاء البارزين لدى معهد بروكينجز، وأستاذ استراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.