اساطير حزب الله في روايته تاريخه

حسين عبد الحسين

قلة هم الكتاب الذين يمكنهم ازعاج ”حزب الله“، التنظيم الشيعي الذي يصف نفسه على انه ”مقاومة“ في لبنان. على ان الامر لا ينطبق على مهند الحاج علي، وهو شيعي المولد من جنوب لبنان. في كتابه ”القومية، والقومية العابرة، والاسلام السياسي“، يذهب الحاج علي بعيدا في تفكيك الزخرفة والاساطير التي يستند اليها الحزب لتبرير وجوده.

الحاج علي يتمتع بحرية غير مسبوقة في الوصول الى الأدب المحلي، والاساطير المروية، والسكان المحليين، وهو ما سمح له بتفكيك بيان ”حزب الله“، واستخراج العناصر المؤلفة له — التي منها ما هو مستعار من الاساطير الشيعية المحلية، ومنها ما هو مستعار من المرويات الايرانية — وتقديمها في كتابه، المنبثق عن اطروحته في ”جامعة لندن للاقتصاد“، الذي يتعامل فيه مع اسئلة الهوية الجماعية وكيفية بنائها.

كباحث في العلوم السياسية، يحلل الحاج علي صعود ”حزب الله“ من منظور الهوية، وهو خيار جيد، يقدم فيه ببراعة رواية ”حزب الله“ للتاريخ، وهي رواية تعجّ بالاخطاء الى حد يجعلها دعاية من النوع السيء. على ان الحاج علي لا يقوم بتصحيح هذه الرواية، ربما لان مجهود من هذا النوع كان يمكن ان يحول كتابه الى نقاش مضني حول عقيدة الحزب، وهو ما يعني ان الرد على مزاعم الحزب حول تاريخه يمكنها ان تشكل اساسا لنسخة موسعة من الكتاب مستقبلا.

لكن قبل ان نستعرض كتاب الحاج علي، لا بد من تقديم حادثة قد تكون الافضل في شرح كيفية مزج ”حزب الله“بين القضايا المحلية والاقليمية بما يخدم مصلحته.

في غضون ١٠ اسابيع بعد اعلان ”حزب الله“ انتصاره ”الالهي“ على اسرائيل، في منتصف آب (اغسطس) ٢٠٠٦، قام الحزب بارسال مناصريه لاحتلال وسط بيروت ومحاصرة رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة. وعلى الرغم ان الحزب كان وصف انجازه على انه ”اكبر انتصار على اميركا وحلفائها منذ نهاية الحرب الباردة“. لم يحتفل ”حزب الله“ بـ ”انجازه الدولي“، بل انهمك بالسجالات اللبنانية الداخلية. على ان تحريض الحزب الشيعي ضد رئيس الحكومة السني لم يكن بالصدفة، بل كان مجهودا محسوبا لتشتيت الغضب الشيعي، بعيدا عن الدمار الذي عانى منه الشيعة على ايدي اسرائيل. اي انه في اللحظة التي طفح فيها كيل الشيعة من مغامرات ”حزب الله“ الاقليمية، نجح الحزب في اعادة توجيه غضبهم عبر اعادة احياء العداوات القديمة بين الشيعة والسنة داخل لبنان وشيطنة السنيورة. ذاك المجهود قدّم بوضوح كيف يمكن للحزب مزاوجة جدول اعماله الاقليمي، مع سياسة لبنان الداخلية، بهدف تحقيق مصالحه.

الحاج علي يقدم هوية شيعية ناشئة، وهي تأخرت مقارنة بالدروز والموارنة، الذين نظّموا انفسهم سياسيا منذ القرن السادس عشر. اما الشيعة، فعانوا من الحملات التأديبية التي شنها ضدهم المماليك واجبروهم بسببها على النزوح من طرابلس وكسروان الساحليتين الى الداخل اللبناني: جبل عامل في الجنوب والبقاع الشمالي في الشرق. ومنذ نزوحهم، عمل الشيعة كفلاحين تحت حكم زعماء محليين، عملوا بدورهم جباة ضرائب باسم العثمانيين.

يقول الكاتب ان معظم الروايات الشيعية لا يمكن تثبيتها، اذ ان مصادرها شفهية، بدلا من ان تكون مكتوبة او اثرية. على ان العاملين في الدعاية لدى ”حزب الله“ اخذوا، من دون تحفظ، الروايات الشيعية حول شعب عاملي متخيل يصبو الى الاستقلال، ونسجوا منها ما يناسب الرواية الحالية للحزب حول ”مقاومة اسلامية“ عاملية، جذورها ضاربة في التاريخ، منذ زمن الخليفة الراشدي الرابع والامام الشيعي الاول علي بن ابي طالب.

في رواية ”حزب الله“، يصبح جبل عامل في جنوب لبنان ارضا مقدسة مذكورة في القرآن، حسب الحاج علي. اما ”الأمة“ العاملية، فتصبح وحدة متجانسة ومتراصة قاتلت في كل انواع الحروب دفاعا عن ”الاسلام الحقيقي“. ولأن العامليين كانوا يمثلون ”الاسلام الحقيقي“، فهم لعبوا دورا محوريا في مقاومة، والحاق الهزيمة بـ، المؤامرات المتتالية، العالمية منها والمحلية. حتى صلاح الدين، بطل القرن الثاني عشر الذي هزم الصليبيين حسب التاريخ العربي العام، يصبح خائنا بسبب قبوله تسوية وهدنة منعت العامليين من تحرير كل الارض.

كما يكتب المؤلف ان ”حزب الله“ يشيطن الامبراطورية العثمانية، ومعها ”الآباء المؤسسين“ في لبنان، كالاميرين فخر الدين الثاني وشهاب الثاني، ويتهمهما بالتعامل مع بابوات الكاثوليك في روما. وهنا يمكننا الاضافة، من خارج الكتاب، ان اميري لينان لم يكونا المسلمين الوحيدين ممن تعاملوا مع اوروبا الكاثوليكية، بل هم مثل الصفويين في ايران، السلالة التي رعت الاساطير المؤسسة لـ ”حزب الله“، والتي كانت من ابرز حلفاء الباباوات في روما، في محاولة من الايرانيين لموازنة تحالف العثمانيين مع انكلترا البروتستانتية.

يقتبس الحاج علي من ادبيات ”حزب الله“ ويكتب: ”عندما زار وفد من السفارة الاميركية رجل دين الشيعي (اللبناني) في العام ١٩٥٣ ودعاه الى روزفلت، حاملة الطائرات الاميركية، رفض رجل الدين محمد جواد مغنية السيارة الفارهة التي عرضوها عليه وزيارة السفينة الحربية“. وبرر مغنية رفضه بالقول ان ”ابناءنا واخواننا في فسلطين يتم قتلهم بالأسلحة المجرمة التي تصبها اميركا على اسرائيل“. كما قال مغنية لزواره الاميركيين ان ”أميركا هي ألد اعداء الامة العربية والاسلام، وهي أقامت اسرائيل، وقتلت وهجّرت شعبنا في فلسطين“.

المثال عن مغنية والاميركيين هو قراءة مغايرة لأحداث التاريخ، ومع أن الكتاب لا يردّ على هذه الرواية، الا انه تجدر الاشارة الى انه في العام ١٩٥٣، لم تكن أميركا قد اصبحت عرّابة اسرائيل الديبلوماسية ومزودتها بالأسلحة والمساعدات، فاسرائيل كانت تحت رعاية اوروبية، وشاركت مع فرنسا وبريطانيا في العام ١٩٥٦ في ”العدوان الثلاثي“ على قناة السويس، وهو هجوم اجبر واشنطن على انهائه بتهديدها بمعاقبة المعتدين. قد لا يعرف دعائيو ”حزب الله“ ذلك، وقد لا يهمهم أمر الاخطاء التاريخية، لكن حتى منتصف الستينات، كان العالم العربي مايزال ينظر الى أميركا كقوة حميدة يمكنها تخليص العرب من الكولونياليين الاوروبيين الاشرار.

كتاب ”القومية، والقومية العابرة، والاسلام السياسي“ يتفوق بأشواط على الكتب المتوافرة في الاسواق حول ”حزب الله“، وحبذا لو يتابع الحاج علي بحثه ويأخذه الى مراحل اكثر تفصيلية.

في كتابه المقبل، ان هو سار في هذا المسار، يمكن للحاج علي ان يوسّع عمله بدراسة كيفية تشكّل الهوية الشيعية اللبنانية بالمقارنة مع شيعة المنطقة، مثل في العراق. والقيام بذلك سيحتاج الى المزيد من المصادر، التي لا شك ان في طليعتها سيكون العراقيان الراحلان، المؤرخ جواد علي والسوسيولوجي فالح عبدالجبار. كما يمكن للحاج علي الركون الى العمل المختصر لهاينز هلم حول تطور الهوية الشيعية منذ بزوغها في القرن العاشر.

AFP PHOTO/JOSEPH EID