كارثة المفردات المغربية تسلط الضوء على الصراع الأكبر لإبقاء اللغة

فيصل اليافعي

AFP photo: Abdelhak Senna

يبدأ العام الدراسي الجديد في المغرب يوم الثلاثاء المقبل، وعلى خلاف الأعوام السابقة، ستتمكن المدارس هذا العام من تدريس بعض المواد باللغة الفرنسية بدلاً من اللغة العربية التي كانت اللغة المستخدمة في التعليم عادةً. وبعد أن كانت اللغة الفرنسية هي لغة التعليم في الجامعات، ستُدرس بعض المقررات التعليمية باللغة العربية.

أثار قانون إصلاح التعليم الذي صدر بداية هذا الشهر بعض المشاعر. وأُثيرت الأسئلة حول ما إذا كان ذلك القانون بمثابة استسلام للغة فرنسا، المستعمر الغربي السابق؟ أم أنه يعزز من وضع اللغة العربية وهي اللغة الرسمية في البلاد ( حيث أن اللغة الأخرى هي اللغة الأمازيغية التي تخص البربر) تهدف هذه الإصلاحات إلى إعداد القوى العاملة لدخول سوق العمل على نحو أفضل، فغالباً ما تكون اللغة الفرنسية مطلوبة وبخاصة مع عزوف نصف الطلبة الجامعيين في المغرب عن إتمام تعليمهم كونهم لا يمتلكون الكفاءة المطلوبة في اللغة الفرنسية . وبالنظر إلى تاريخ الحقبة الاستعمارية ، فقد فُرض تدريس اللغة الفرنسية في المدارس وتهميش اللغة العربية، ولذلك أصبح هذا الموضوع بالغ الحساسية .

لم تقتصر كارثة المفردات اللغوية على المغرب فقط ، فقد كافحت الدول في منطقة الشرق الأوسط من أجل اللغة التي يجب أن يدرس بها أطفالهم. ولكن المغرب لديها شعور بالقلق الشديد حيال البقاء اللغوي كونها قد فشلت في اتخاذ خطوات تجاه النهضة اللغوية. لذلك فقد رأت أن إيجاد الطرق لدعم اللغة العربية التي يتحدث بها غالبية السكان في المغرب سيكون استغلالاً أفضل لوقت السياسيين على عكس من سبقوهم من النخبة والذين كانوا يهمشون هذا الأمر.

تستخدم المدارس والجامعات في منطقة الشرق الأوسط مزيجاً من اللغات الإنجليزية والعربية والفرنسية كلغة للتعليم. فالعربية والإنجليزية هي لغة التعليم في مصر، وفي لبنان، تستخدم عديد من الجامعات مزيجاً من اللغات الثلاث، وكذلك في جامعة الملك عبد العزيز، والمصنفة كأفضل جامعات الشرق الأوسط لهذا العام وفق تصنيف “مجلة التايمز” حيث تستخدم اللغة الإنجليزية بشكل أساسي إلى جانب بعض اللغة العربية. وفي كل مكان يخشى الناطقون باللغة العربية دائماً من ألاَّ يعرف أطفالهم لغتهم الأم حق المعرفة، إذ تواصل الإنجليزية التسلل إليهم عبر التليفزيون والأفلام والموسيقى.

ونظرًا إلى تاريخ الهيمنة الأجنبية، فتلك القضية هي بالقطع قضية سياسية. وقد جعلت الأحزاب السياسية القومية كحزب البعث في سوريا والعراق تلك القضية جزءًا صريحًا من حكمهم لضمان سيادة اللغة العربية حتى وإن وصل الأمر لإستبدال المصطلحات الأجنبية العلمية والتكنولوجية بأخرى عربية.

لم يقتصر القلق حيال هيمنة اللغة الأجنبية على الدول الناطقة بالعربية أو غيرها من المستعمرات السابقة. بل أن الأمر يطال القوى الاستعمارية أيضاً، ففي عام 2013 شهدت شوارع فرنسا احتجاجات ضد الخطة التي تسمح بتدريس اللغة الإنجليزية في الجامعات الفرنسية، ولسخرية القدر أن ذلك قد كان جاذباً لعدد أكبر من الطلاب من البلدان العربية والأسيوية. وقد غضب النقاد معللين بأن ذلك من شأنه أن يقوض اللغة الفرنسية. وصاح أحد السياسيين قائلاً: “هل علينا أن نتحدث الإنجليزية يوماً ما داخل هذا البرلمان ؟”. ولكن على الرغم من ذلك فقد صدر هذا القانون.

بالنسبة لمتحدثي الإنجليزية، ففكرة القومية اللغوية لدي الفرنسيين وفي العالم العربي تبدو لديهم أمراً طريفاً وأبوياً أكثر من اللازم. فهم يؤمنون أن اللغة تتطور، فإذا قدمت اللغة الإنجليزية كلمة أفضل من “إيميل” ،والتي تنطق(كورييل) بالفرنسية و (البريد الإلكتروني) بالعربية، إذاً فليكن طالما أنها تؤدي نفس الغرض أيضاً: فاللغة الإنجليزية حتى الآن لم تقدم بديلاً أفضل ” للكُحل” العربي و” الأومليت” الفرنسي.

وينجم هذا الموقف المحايد لمتحدثي الإنجليزية عن هيمنة مطلقة. فاللغة الإنجليزية هي لغة التواصل في العالم (وهي عبارة تشير إلى اللغة الهجين التي كانت شائعة في السابق إلا أنها انقرضت حالياً) حيث يتحدث بها في معظم الأماكن أكثر من أية لغة أخرى، وهي اللغة الشائعة بين المغتربين في دبي والسياسيين في بروكسل.

مع ذلك فإن اللغة ليست معياراً بحد ذاته في السوق العالمية، بحيث يربح من لديه كلمات أفضل. ولكن الأمر يعتمد على الهوية والثقافة وحتى الإيمان. فأحياناً تحتاج لبعض المساعدة لتزدهر.

بالنسبة للوضع في المغرب فثمة أشياء معينة بإمكانها أن تساعد اللغة العربية هناك. الشئ الأول هو طمس التمييز بين اللغة العربية المستخدمة في المدارس واللغة العربية الفصحى الحديثة واللغة المستخدمة في الحياة اليومية (الدارجة) والتي هي مزيج بين اللغات العربية والأوروبية والأمازيغية. وقد حدث هذا بالفعل على نطاق صغير في العام الماضي عندما طرح المغرب كتباً مدرسية بها بعض الكلمات الدارجة بدلاً من الكلمات العربية الكلاسيكية. مما أثار ضجة على وسائل التواصل الإجتماعي .

ولكن هذه العملية تعد إيجابية في العموم إذ أنها تقرب المسافات بين الكلمات التي يستعملها الأطفال في المنزل والتي يسمعونها تتناقل حولهم وبين التي يتفاعلون معها في التعليم. وهذا أمر يحمل أهمية كبيرة، فاللغة الدارجة تستخدم بالفعل بشكل شائع في الموسيقى الشعبية والبرامج التلفزيونية (حتى وإن لم تكن سياسية). وبما أنها منتشرة بين معظم المغاربة ، فاستخدامها في المدارس هو بمثابة تقبل للواقع الحالي.

الأمر الثاني هو استخدام اللغة الدارجة في الأماكن العامة لمناقشة المواضيع بالغة الأهمية، لذا ينبغي على السياسيين أن يتولوا زمام المبادرة إزاء هذا الأمر . رغم أنه سيكون مثيراً للجدل بكل تأكيد، ولكن السياسيين المغاربة سيقتفون بذلك أثر الدعاة المسلمين والذين كان استخدام لغة العامة بالنسبة إليهم أمراً أكثر حساسية بكثير. أما الآن فقد أصبح تناول المواضيع الدينية باللغة العامية من قِبل الجيل الجديد من الدعاة أمراً مقبولاً.

لن يكون إصلاح النظام التعليمي في المغرب بالأمر الهين. وقد واجهت الجارتان تونس والجزائر مسائل مشابهة. ورغم أن تغيير لغة التدريس هو أمر يمس الهوية والتاريخ ولكنه أيضاً يمثل مسألة سياسية مُلحة حول كيفية تحقيق أفضل ما يمكن للجيل الحالي من الطلاب المغاربة.

إذا أرادت الحكومة أن يتعلم الطلاب باللغة العربية فعليها أن تتجرد من سياقها التاريخي والسياسي وتعلم الطلاب اللغة العربية التي يعيشون معها. وإذا أرادت أن يدرس طلاب الجامعة باللغة الفرنسية فعليها إعدادهم جيداً قبل بلوغ المرحلة الجامعية. فتعلُم اللغة شأنه شأن الأمور السياسية يجب أن يبدأ بالمبادئ أولاً.

يؤلف فيصل اليافعي حاليًا كتابًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم في الشبكات الإخبارية التليفزيونية الدولية. عمِل اليافعي في منابر إخبارية من قبيل صحيفة “الغارديان” وهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، فأعدّ التقارير عن الأوضاع في مناطق الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وإفريقيا.