جدري القرود وخطر إساءة تسمية الأمراض

مايكل جينينغز

Image courtesy of Fabrice Coffrini / AFP

تم التعرف على فيروس جدري القرود لأول مرة في عام 1970، وهو فيروس ينتقل إلى البشر في الغالب من خلال القوارض الصغيرة (وأقل انتقالا من خلال القرود)، واقتصرت العدوى على مناطق في غرب ووسط إفريقيا حيث انتشر الفيروس، وعادة ما يكون المرض خفيفًا، مع أعراض تشمل الحمى والطفح الجلدي والتي تزول في غضون أسابيع قليلة.

وكان التفشي الأخير مفاجئًا وغير معتاد، وهو التفشي الذي حظيت أوروبا بنسبة 80% منه. وارتفعت الحالات بشكل كبير منذ شهر مايو، حيث تضاعفت ثلاث مرات في الأسبوعين الأخيرين من شهر يونيو إلى أكثر من 9000 حالة على مستوى العالم، وينتشر الفيروس حاليًا بين الناس من خلال التواصل الجسدي، ويبدو أن معظم الحالات في أوروبا نشأت في مجتمعات الذكور المثليين وثنائيي الجنس.

وتحول الانتباه إلى اسم الفيروس، بعد أن تصدر اسمه عناوين الصحف الغربية في منتصف شهر يونيو، حيث دعت منظمة الصحة العالمية إلى استبدال لقب “جدري القرود” بـ “أم بي أكس في” الاختصار الذي يبدو أكثر حيادية، وذلك بعد تعرض المنظمة لضغوط للإعلان عن حالة طوارئ صحية عامة عالمية بفضل الفيروس، وتماشى تغيير الاسم مع سياسة منظمة الصحة العالمية المعتمدة في عام 2015 لتجنب إعطاء الأمراض اسامي قد تثير التمييز العنصري أو تخلق وصمة عار اجتماعية.

وأمام الانتشار السريع للفيروس، من المنطقي طرح السؤال لماذا يجب الاهتمام باسمه؟ خاصةً عندما يتم تسمية ذلك الفيروس باسم حيوان، ولكن هناك تاريخ طويل للتمييز وللعواقب الناجمة من تسيمه الأمراض والنظر إليها من زاوية من تصيبهم أو تستهدفهم، وذلك يصعب من الاستجابة للأزمات الصحية.

وكان ذلك واضحًا بشدة خلال وباء فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز في حقبة الثمانينيات والتسعينيات، حيث إن الروابط بين الإيدز ومجموعات معينة (خاصة الرجال المثليين) أو الحديث عن (أن العدوى كانت نتيجة المجون الجنسي) سببت في ضعف التمويل للأزمة الناشئة لفترة طويلة، وكانت السبب في تردد المانحين والحكومات الوطنية في تقديم رسائل الصحة العامة التي قد كانت لتساعد في حماية المزيد من الأشخاص من العدوى.

وكان أحد الأسماء الأولى التي أُعطيت لما سيصبح معروفًا باسم فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز في الولايات المتحدة هو “نقص المناعة المرتبط بالمثليين”  أو “جي أر أي دي” والذي خلق افتراضًا خطيرًا مفاده أن أولئك المعرضين للخطر هم رجال مثليون، وربط المرض بمواضيع نقاش ساخنة ذات نبرة تمييزية حول المثلية الجنسية، كما ساهم القول بأن الذين يتعاطون الهيروين في أمريكا الشمالية معرّضين أيضًا لخطر كبير لأخذ العدوى في ظهور الإحساس بان فيروس نقص المناعة البشرية هو مرض من أمراض الخطيئة والذي انعكس في المخيلة الشعبية.

وعندما تم الاعتراف في نهاية المطاف بان وسط وشرق إفريقيا هي مركز لوباء فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز، دارت مناقشات جديدة ذات صبغة شديدة العنصرية حول الفيروس والثقافة والمجتمع الأفريقي، وطرح الصحفيون أسئلة عنصرية مسيئة للغاية حول أصول الفيروس، ولم يكن مفاجئًا أنه أمام مثل تلك الأساليب الضارة والتمييزية حول الفيروس، رأى الكثير في إفريقيا أن المرض وسيلة لاستمرار الانتقادات الاستعمارية للحياة الأفريقية ورفضت الحكومات الأفريقية التصرف بشكل حاسم للحد من انتشاره.

ويحصل التمييز العنصري متى اقترنت مجموعة من البشر بمرض معين، وأثناء انتشار فيروس سارس في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، واجه الأشخاص من أصول آسيوية التمييز واللوم على تفشي المرض في أماكن مثل كندا، وهي ظاهرة رأيناها أيضًا في الأشهر الأولى من جائحة كورونا بعد وصفه بأنه “فيروس صيني”.

وتم إلقاء اللوم ظلماً على اللاجئين السوريين في قضية تفشي داء الليشمانيات “الآكل للحوم” في الولايات المتحدة وأوروبا في منتصف عام 2010، وفي بريطانيا تم إلقاء اللوم حول ارتفاع معدلات الإصابة بمرض السل على المهاجرين من جنوب آسيا بدلاً من لوم الظروف المعيشية السيئة والفقر الذي عانوا منه بعد وصولهم إلى المملكة المتحدة بفضل فشل سياسات الهجرة والرعاية الحكومية.

وتعرض الناس للهجوم وحتى القتل بسبب تعرضهم لفيروس نقص المناعة البشرية في جميع أنحاء العالم، مما يعكس الرابط العميق للبعد الاخلاقي في الفهم العام للمرض.

كل هذا يجعل من ربط مرض “أم بي أكس في” مع الرجال المثليين وثنائيي الجنس مشكلة (ولماذا يعتبر “جدري القرود” مسيئًا)، حيث يشعر مسؤولو الصحة بالقلق من أن تحديده على أنه “مرض مثلي” سيزيد من وصمة العار وسيصعب من مهمة الاستجابة لتفشي المرض، كما لاحظ مسؤولو الصحة العامة أن “أم بي أكس في” ينتشر من خلال الاتصال الجسدي القريب، وليس بالضرورة من خلال ممارسة الجنس فقط، لكن الارتباط بالهوية الجنسية له بالفعل تأثير وصمة العار.

وبناء عليه، قد يتردد البعض في التقدم للفحص، خاصة إذا كانوا يعتقدون أن حياتهم الجنسية سيتم استجوابها (أو افتراض ميولهم الجنسية)، وهذا يعني أيضًا أن أولئك الذين ليسوا ضمن تلك الفئة من المجتمع سيشعرون بالرضا عن النفس. ويواجه مسؤولو الصحة توازنًا دقيقًا في ضمان حصول الأشخاص الأكثر عرضة للخطر على المعلومات الحيوية التي يحتاجون إليها لحماية أنفسهم وتحديد الأعراض، دون تعزيز الأفكار الضارة حول الفيروس.

الأسماء مهمة، وكذلك الافتراضات الضمنية حول الأمراض، ويمكن أن تؤدي الأسماء إلى تفاقم التمييز ضد الفئات الضعيفة في كثير من الأحيان، كما يمكن للأسماء أن تساهم في الأفكار العنصرية والاستعمارية الجديدة حول الأماكن والأشخاص الآخرين، كما أنها تزيد من صعوبة الاستجابة للأزمات الصحية.

وكما أشار “كيجي فوكودا” وهو مساعد مدير منظمة الصحة العالمية الذي قدم سياسة التسمية للوكالة في عام 2015، حيث قال حول المسميات “قد تبدو مشكلة تافهة بالنسبة للبعض، لكن أسماء الأمراض مهمة حقًا للأشخاص المتأثرين بشكل مباشر” اسماء  الفيروسات الجديدة هو جزء مهم لضمان ألا تصبح الأمراض أكثر ضررًا مما هي عليه بالفعل.

  

مايكل جينينغز هو قارئ في التنمية الدولية بجامعة “اس أو آي اس” في لندن، حيث يعمل في القضايا المتعلقة بالصحة العالمية وسياسة وتاريخ التنمية العالمية.