صناعة الزخم الفكري للنخبة الإسرائيلية ليرفضوا حل الدولتين

جوزيف دانا

AFP Photo: Jaafar Ashtiyeh

لطالما استماتت النخبة الليبرالية المؤثرة في إسرائيل دفاعًا عن حل الدولتين لتسوية الصراع مع الفلسطينيين. ولكن هذا الدفاع يتغير. وفي مواجهة أي تحدي وجودي لإسرائيل التي يعرفونها، بدأ حراس الصهيونية الليبرالية في إدراك المخاطر التي تحدق بإسرائيل. وفي مقالتين جديدتين، يرفض “بيتر بينارت”، ذلك الكاتب المشهور، حل الدولتين، ويلخص القضية اليهودية في حل الدولة الواحدة، مع المساواة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وفي حين أن حججه ليست جديدة، إلا أنها تمثل تحولًا تاريخيًا في كيفية فهم النزاع ومناقشته.

إن الضم الوشيك لمناطق شاسعة من الضفة الغربية، والمسؤوليات القانونية التي ستتحملها إسرائيل قد أثار غضب الصهاينة الليبراليين مثل “بينارت”. وفي ظل حكم رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، تخلصت الدولة من جميع مزاعم العمل مع الفلسطينيين نحو حل عادل. واختفى اليسار من الطيف السياسي الإسرائيلي لتحل محله حركة وسطية يمينية عدوانية ومتطرفة تدعم الوضع الدائم للفلسطينيين.

ومن خلال الاقتباس بكثرة من الكتاب الفلسطينيين، يوضح “بينارت” ببلاغة مهزلة حل الدولتين بالشكل الذي عليه الآن. وبدءًا من البناء المستمر للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وصولاً إلى حرمان الفلسطينيين من حقوقهم بصورة ممنهجة، يوضح “بينارت” كيف أن الوضع الحالي لا يمكن ان يستمر. وبالتحدث عن جدوى حل الدولة الواحدة، يوضح “بينارت” أن الواقع الآن هو دولة واحدة يتمتع فيها مجموعة واحدة من الناس بحقوقهم، بينما لا يتمتع الباقون بأية حقوق. والحل العادل إذًا هو دولة واحدة ذات دستور قوي يضمن الحقوق نفسها لجميع الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي.

وما يثير الدهشة بشكل خاص هو أن “بينارت” يكرر، بصوت عالٍ وعاطفي، على مدار سنوات، إن لم يكن لعقود، كل حجة ساقها الفلسطينيون. ومن الروعة بمكان أن يتناول كاتب في مكانة “بينارت” شرح تلك الحجج في العام 2020.

في عام 2010، نشر “بينارت” بيانًا في محلق مراجعة الكتب في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان “فشل المؤسسة اليهودية الأمريكية”. وفي هذا البيان، انتقد “بينارت” مجتمعه بسبب التزامه الصامت بشأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ورفعت المقالة “بينارت” من معلق عظيم إلى مرتبة النبي.

وبعد ذلك، وكما هو الحال اليوم، كان من المفترض أن يغير “بينارت” فحوى النقاش الصهيوني الليبرالي، وربما يخفف من الولاء الأعمى للجالية اليهودية الأمريكية تجاه إسرائيل. ولكن التغيير لم يحدث قط. والآن، وبعد مرور عشر “10” سنوات، عاد “بينارت” بمنظور آخر جريء، ويبدو أن ثمة تغيير حقيقي هذه المرة. ولكن، لماذا استغرق التغيير عقدًا من الزمن؟.

إن الجواب، وبشكل غير مفاجئ، يتعلق بالصهيونية. ويتناول “بينارت” في مقالاته الجديدة قضية الدولة مقابل الصهيونية. ويشير “بينارت” إلى أن الصهيونية، في مظاهرها المبكرة، لم تكن ملتزمة بتشكيل دولة. وبدلاً من ذلك، سعى الصهاينة الأوائل إلى إنشاء موطن في أرض إسرائيل، مع الحكم الذاتي لليهود. وفي الواقع، تلقت الصهيونية رفضًا كبيرًا من المجتمعات اليهودية في جميع أنحاء العالم. ورغم ذلك، باتت الصهيونية الإطار الإيديولوجي الدافع لكل قارئ إسرائيلي بخصوص بناء الدولة، بما في ذلك أكبر مشروع في تاريخ الدولة: وهو احتلال الضفة الغربية.

في حين أنها ربما قد رحبت بتنوع الآراء في الماضي، إلا أن الصهيونية اليوم متجانسة، وباتت أيديولوجية حصرية، وليس لها مكان مثمر في دولة إسرائيلية فلسطينية ديمقراطية.

وعندما راجعت كتاب بينارت “أزمة الصهيونية”، الكتاب الذي خرج من رحم المقالة المخصصة في صحيفة نيويورك تايمز لمراجعة الكتب، ذكرت: “ربما تكون الأزمة الصهيونية الفعلية تكمن في حقيقة أن الكتاب الصهاينة الليبراليين، الذين يهتمون بإسرائيل أشد اهتمام، غير قادرين أو غير راغبين في القبول بأن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني أصبح معروفًا وبشكل متزايد بأنه معركة على الحقوق والمساواة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.”

وكان ذلك قبل 10 سنوات. إذا أردنا صياغة إطار أيديولوجي جديد ملتزم بحقوق متساوية لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين، فيجب التخلي عن الصهيونية – وأي إيديولوجية حصرية أخرى.

ويبدو أن “بينارت”، من خلال دعمه الجديد لحل الدولة الواحدة، يتبنى وجهة النظر القائلة بأن الصهيونية خدمت هدفها منذ فترة طويلة. وقد نضطر إلى الانتظار عشر “10” سنوات أخرى لقراءة هذا المقال.

 

“جوزيف دانا”، يتنقل ما بين جنوب أفريقيا ودول الشرق الأوسط، ويعمل كبير محرري “emerge85″، أحد المختبرات التي تستكشف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمي.