هناك خطأ في قراءة تاريخ آيا صوفيا

حسين عبد الحسين

AP Photo: Ozan Kose

عدا الشعبوية وضيق الأفق السياسي؛ فإن قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتحويل آيا صوفيا باسطنبول من متحف إلى مسجد هو قرار يصعب تفسيره، وقد تجاهل أردوغان المناشدات الدولية بعدم المضي قدمًا في تنفيذ القرار، بما فيها منظمة اليونيسكو والبابا فرانسيس الذي عبّر عن “شعوره بالحزن” من قرار تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد.

وعلى مدار التاريخ كان الفاتيكان وبابا الكاثوليك يشعرون بالراحة لهزيمة منافسيهم آيا صوفيا وإمبراطور الأرثوذوكس والبطريرك، لكن هذا كان يحدث عندما كان الباباوات يتمتعون بالنشاط السياسي، واليوم فإن الباباوات في المجال السياسي يلعبون دورًا رسميًا يشجع على السلام، وسواء كان الأمر هذا أو ذاك فإن دعوة أردوغان للبابا فرانسيس من أجل حضور احتفالية تحويل آيا صوفيا إلى مسجد تُثبِت أن الرئيس جاهل بالتاريخ وغير واعِ بالحساسيات التي نتجت عن الديماجوجية السياسية التي يتخذها نهجًا له، وأردوغان لم يريد فقط أن يحضر البابا الاحتفالية التي يقوم فيها الرئيس بتصوير نفسه على أنه السلطان الفاتح عبر إحياء استحواذ المسلمين على أحد أشهر الكنائس على مستوى العالم؛ بل أن أردوغان يريد للبابا أن يرى كيف أن تركيا قامت بتغطية الرموز المسيحية من أجل السماح للمسلمين بالصلاة داخل بناية آيا صوفيا.

لكن إبراهيم قالن مستشار أردوغان أشار إلى أنه لا داعي للقلق خلال حديثه لشبكة سي إن إن :”نحن نقوم ببعض الترتيبات من أجل التأكيد على أنه خلال صلوات المسلمين فإن الصور سيتم تغطيتها لكنها لن تُمّس، والأهم في هذا الإطار هو أن الصور والرسوم والبنية والهندسة المعمارية لن تتعرّض للضرر”، لذا فإن الأمر لا يعُد بالكيفية التي دمّر بها العثمانيون أجزاء من الكنيسة وقاموا بوضع ملصقات فوق اللوحات الجدارية والصور، فالعمل الذي قام به أردوغان يمكن معالجته، وهو جزء من لعبة الغموض التي تميّز سياسات أردوغان بشكل عام.

وتغطية الرموز المسيحية التاريخية في أكثر الأماكن التي تتم زيارتها في تركيا لن تنزع من آيا صوفيا قيمتها باعتبارها مزارًا سياحيًا، لكنها لن تضيف شيئًا للتجربة الروحانية للمسلمين الذين سيقومون بالصلاة في الكنيسة السابقة.

ويبدو أن أردوغان يجهل حقيقة أنه – على العكس من المزارات الدينية في مكة والمدينة المنورة والقدس بدرجة أقل – فإن آيا صوفيا لا تحمل أهمية تُذكر للإسلام، والواقع أن الفاتحين العثمانيين قاموا بتحويلها إلى مسجد للسلطان في إطار الإعلان عن أن هناك زعيم جديد يوجد في المدينة، لكن من ناحية أخرى فإن هؤلاء لم يزعجوا أنفسهم بتغيير الإسم المسيحي لآيا صوفيا بآخر إسلامي.

وبالنسبة للمسيحيين على أي حال فإن آيا صوفيا تحمل قيمة دينية كبرى، وبادئ ذي بدء فإن القسطنطينية تعُد واحدة من خمسة مقرات تواجد بها السيد المسيح إلى جانب القدس والإسكندرية وأنطاكية وروما، والقسطنطينية كانت بمثابة روما الجديدة بالنسبة للمسيحية، وقد قام قسطنطين الأول ببناء المدينة وهو من جعل المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، وعلى مدار ألف عام شهدت آيا صوفيا أجيال من المسيحيين يقومون بإقامة التجمعات والاحتفالات والصلوات داخل الأروقة الخاصة بها، وتم دفن القديسين في حدائقها، بينما ظهرت على جدرانها لوحات للسيد المسيح والسيدة العذراء مريم ومريديهم والقديسين.

ثم أتى العثمانيون الذين خاضوا الحروب باسم الإسلام، والأتراك أنفسهم كانوا من الوثنيين الذين اعتنقوا الإسلام بعد هجرتهم من وسط آسيا باتجاه الغرب.

وقد أهدى أردوغان عملية تحويل آيا صوفيا إلى مسجد للحضارة الإسلامية “من بخارى إلى الأندلس”، لكن في الوقت الذي قام فيه العثمانيون بفتح القسطنطينية فإن طرفي الإمبراطورية الإسلامية كانا قد رحلا منذ زمن، والأمر لا يتعلّق بكيفية رؤية بعض الأتراك لتاريخهم وحضارتهم على أنها حديثة نسبيًا مثل أمريكا. ففي ذات الوقت الذي شهد كولمبوس وهو يغزو أمريكا كان الأتراك يفتحون الأناضول والقسطنطينية، لكن لماذا يشعر العالم بغضب متواصل من كولمبوس الذي قام بغزو أرض يقطنها سكان أصليون لكنه يتغافل عن الدخول العثماني لأراضي اليونان كما يعتقد البعض.

ويحاول أردوغان باستماتة إحياء التاريخ الذي يجعل من الأتراك قادة للإسلام وحكامًا للعالم، لكن سرد الرجل للأحداث يتسم بعدم الدقة. فالقيادة التركية للعالم الإسلامي،إذا ما افترضنا وجود تلك القيادة، كان امرا متنازع عليه مع الأسرة الهاشمية ومقرها مكة وسلاطين عُمان وزنجبار وسلالات السعدية والعلوية في المغرب والمماليك في القاهرة والصفويين في طهران، فلم يوجد ابدا اجماع على قيادة السلاطنة العثمانيين للإسلام، تمامًا مثل المسيحية التي لا يمكن لأي إمبراطور أن يدّعي سيطرته عليها.

ومنذ صعوده إلى سدة الحكم فإن أردوغان مهووس بصورته أمام العالم، كما أنه يدّعي أن العالم أكبر من “خمسة” – وهو يقصد بها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وقد حاول أردوغان مرارًا وتكرارًا إضافة تركيا لتلك الدول الخمس كي يثبت للأتراك أنه نجح في إحياء أمجاد الإمبراطورية السابقة، وحينما فشل في ذلك يبدو أنه لجأ إلى التخلّي عن الأمم المتحدة، وأنه يحاول بدلًا من ذلك إعادة بعث الإمبراطورية الإسلامية بحيث يكون هو على رأسها، وتحويل آيا صوفيا إلى مسجد يعُد جزءًا من حلم أردوغان في الهيمنة الاستعمارية باسم الإسلام.

 

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب صحيفة “الراي” الكويتية اليومية في واشنطن، وهو زميل زائر سابقًا في معهد “تشاتام هاوس” لندن.