الشرق الأوسط يراقب بحذر السلاح النفطي الجديد في يد الغرب

فيصل اليافعي

Image courtesy of Brandon Bell / Getty Images North America / Getty Images via AFP

تم إضافة سلاح جديد إلى ذخيرة الغرب المالية ضد روسيا في بداية هذا الأسبوع.

ومنذ بدء غزو أوكرانيا، سعت الدول الغربية إلى استخدام الوسائل المالية، وكذلك الوسائل العسكرية السرية، لإضعاف آلة الحرب التي تم إطلاقها على أوكرانيا.

وبدأت واحدة من أكثر التجارب ذات التأثير بعيد المدى في يوم الاثنين، وهي محاولة لاستخدام سلاح مالي من شأنه الضرب خزينة الحرب الروسية.

وحاولت الدول الغربية وضع سقف لسعر النفط الروسي، مطالبة بعدم شراء أي دولة للنفط الروسي بأكثر من السعر الذي حددته، كما حظرت أوروبا واردات النفط المنقولة بحرا من روسيا. ولفرض سقف الأسعار، فإن شركات التأمين الأوروبية والبريطانية التي تهيمن على مجال التأمين لناقلات النفط لن تؤمن السفن التي تنقل النفط المباع بأسعار أعلى.

وبالفعل كان للحد الأقصى تأثيره السريع. ففي الساعات التي تلت ذلك القرار مباشرة، كانت هناك طوابير من الناقلات القادمة من البحر الأسود خارج مضيق البوسفور في إسطنبول، حيث طالبتها السلطات التركية بإثبات أن سفنها مؤمنة قبل عبور المضيق. ومثلها كمثل العديد من البلدان الأخرى، لن ترغب تركيا في مرور ناقلات النفط غير المؤمنة عبر أراضيها، خشية حدوث تسرب نفطي مفاجئ، تم تتقاعس شركة التأمين لتوفير الملايين المطلوبة لتنظيفه.

وأظهرت حرب أوكرانيا الترابط بين النظام المالي العالمي أكثر من أي حرب أخرى حديثة، وانحياز ذلك النظام نحو مدن ومؤسسات الغرب، ولكن أيضا المعايرة الدقيقة التي تحتاج الحكومات الغربية إلى القيام بها من أجل استخدام تلك الأسلحة.

وكان لمحاولات ضرب قدرة روسيا على تصدير النفط تأثير محدود إلى الآن، ولم تؤد العقوبات الغربية المختلفة ضد روسيا إلا إلى انخفاض بنسبة خمسة في المئة من صادرات النفط مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وقد تدخلت دول أخرى بكل غبطة لشراء النفط.

وسقف أسعار النفط هذا هو محاولة لعكس ذلك الاتجاه، لكن يجب توخي الحيطة أثناء التعامل معه، فإذا شدينا الحبل من جانب قد يكون الألم لا يطاق بالنسبة للغرب نفسه أو حلفائه، وإذا تم شده من الجانب الأخر قد تبحث روسيا عن طرق للخروج من النظام العالمي والذي من شأنه تقويض قوة الغرب.

خذ على سبيل المثال القرار بشأن تحديد سقف السعر، فمنذ أسابيع، دخلت G7 والاتحاد الأوروبي في محادثات، والسعر الذي تم تحديده هو 60 دولارا للبرميل، وهو سعر مشابه تقريبا للسعر الذي يتم فيه تداول النفط الروسي.

وأراد الأوكرانيون تحديد الحد الأقصى أقل بكثير، ليصل إلى 30 دولارا، ومن شأن ذلك أن يؤثر بشدة على حجم الأموال التي تتلقاها روسيا، مع ما يصاحب ذلك من تأثير على قدرتها على شن الحرب لفترة طويلة.

ولكن الدول الغربية كانت قلقة من أن تحديد مثل ذلك السعر المنخفض يعني أنه لن يكون من المنطقي من الناحية المالية لروسيا بيع النفط، مما يؤدي إلى انخفاض كمية النفط في السوق، ونقص على مستوى العالم، وارتفاع هائل في أسعاره، ومن ثم تضخم متفش في الغرب.

وبدلا من ذلك، كان لا بد من وضع السعر إلى مستوى يؤثر على قدرة روسيا على ملء خزائنها المالية، ولكن ليس منخفضا لدرجة أنه يوقف الروس من ضخ النفط، ولهذا السبب وصف الرئيس الأوكراني الحد الأقصى بأنه “ضعيف”.

ويبدو أن الرقم المختار يحمل طابع سياسي واضح، وباختيار رقم قريب من سعر السوق، فهذا يعني أن روسيا سوف تعارض الضغوطات الغربية – بطبيعة الحال – ولكنها قد لا تشعر بوجود سبب كاف للرد بقوة على الفور، وبطريقة من شأنها أن تلحق ضررا بالغا بالاقتصادات الغربية. ولكن في وقت لاحق، ومع إرساء ذلك المبدأ، يمكن للغرب أن يخفض تدريجيا سقف أسعار النفط، ويضغط على الخزانة المالية للحرب الروسية.

وتلك المقامرة قد تؤتي ثمارها، حيث كان رد روسيا الفوري على فرض الحد الأقصى لأسعار النفط هو اقتراح أنها ستنفذ “حدا أدنى” لأسعار النفط، وهو رد ألطف في ذلك الوقت من خفض إنتاج النفط، وهو أمر من شأنه الإضرار بالاقتصادات الغربية.

ولكن هناك مشكلة أوسع نطاقا تتعلق بسلاح النفط الجديد في الغرب، وهي مشكلة سوف تتم مراقبتها عن كثب من قبل دول الشرق الأوسط.

فغالبية الدول في أوبك، وهي الدول الثلاثة عشرة التي تنتج الكثير من نفط العالم ولديها الغالبية العظمى من الاحتياطات المؤكدة، هي عربية وأفريقية، بما في ذلك دول مثل ليبيا والعراق وإيران، التي لا تتمتع بعلاقات دافئة مع الغرب، وإذا نجح هذا السلاح النفطي الجديد وتمكن من خنق أرباح روسيا، فهناك احتمال كبير لاستخدامه مرة أخرى، وعلى الأرجح ضد أعضاء أوبك.

وهذا أمر ستسعى المجموعة إلى تقييمه عن كثب والرد عليه بعناية، واجتمعت المجموعة يوم الأحد وكان بإمكانها أن تقرر إبطاء الإنتاج وهو قرار كان من شبه المؤكد أن يرفع الأسعار ويحبط الاقتصادات الغربية، وبدلا من ذلك، اتفقوا على عدم إجراء أي تغيير.

ومثل معظم دول العالم، سوف يراقبون استجابة المشترين الرئيسيين غير الغربيين للنفط الروسي، وهما الصين والهند. وبوسع العملاقين الآسيويين أن يقررا معارضة الغرب، على أساس أنهما لا يرغبان في التعرض لضغوط مماثلة في المستقبل (على سبيل المثال القضية التايوانية في الصين) أو قد يغتنمان الفرصة للتفاوض على سعر أفضل للنفط،  وأي من تلك الخيارات سيكون له عواقب.

ما سيشاهده الجميع الآن هو آثار ذلك القرار، فبالنسبة للغرب، سيتابعون ما إذا كانت المعايرة الدقيقة للسلاح النفطي كافية لإلحاق الضرر بروسيا دون التأثير على اقتصادات الدول الغربية، وبالنسبة لمستهلكي النفط، سيتابعون ما إذا كانت إمكانية انخفاض الأسعار كافية للتعويض عن الرضوخ للضغوط الغربية، وبالنسبة لمنتجي النفط، وخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا، ما إذا كان مجرد تمني فشل السلاح النفطي الجديد كافيا، أو ما إذا كان من بالغ الخطورة، مما يحتم إعداد تدابير مضادة في حالة وجه  ذلك السلاح صوبهم في المستقبل.

 

يقوم فيصل اليافعي حاليا بتأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق دائم الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية، وقد عمل في قنوات إخبارية مثل الجارديان وبي بي سي، وقدم تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.

 تويتر: @FaisalAlYafai