أيديولوجية أم انتهازية: لماذا أصبحت ليبيا مسرحًا جديدًا للحرب بالوكالة في الشرق الاوسط؟

فيصل اليافعي

AFP Photo

منذ عام مضى، قامت تركيا وبشكل مفاجئ بتوقيع اتفاقية مع الحكومة الليبية المُعترف بها دوليًا، تلك الاتفاقية التي دفعت بحرب الوكالة كي تصبح في العلن، وخلال الأشهُر التي أعقبت تلك الاتفاقية، شهدت جهود الحرب والسلام على السواء حراكًا ملحوظًا: حيث سعت ميليشيات خليفة حفتر للسيطرة على العاصمة بينما حاولت كل من مصر وإيطاليا بشكل علني التوسط من أجل الوصول لاتفاق سلام بين الأطراف المتحاربة.

وازدادت الأحداث في التصاعد. وخلال العام الماضي، أصبح الصراع الليبي حلقة في سلسلة أكثر تعقيدًا، وخلال الأسبوع الحالي، من المقرر أن يجتمع الاتحاد الأوروبي ليتخذ قرارًا حول مسألة فرض عقوبات على تركيا بسبب أنشطتها في شرق البحر المتوسط – تلك الأنشطة التي تعُد جزءًا من المواجهة مع فرنسا من أجل بسط النفوذ على مستوى المنطقة.

وهناك وجهة نظر مؤداها أن الاتفاقية التركية جاءت من أجل انتزاع السُلطة، لكنها تعُد أيضًا محاولة من تركيا لإنهاء الحرب بالوكالة التي شهدت تطورًا على الأراضي الليبية منذ اندلاع الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد، بداية من عام 2014، ومن حينها، وجدت عدة دول طريقها إلى أرض المعركة، وعبر أساليب مختلفة دبلوماسية وعسكرية تورطت كل من فرنسا وروسيا ومصر والإمارات العربية المتحدة وتركيا وإيطاليا في الصراع، وكل دولة لها أسبابها الخاصة.

ولم يأت تورط أيًا من تلك الدول في الصراع بصورة مؤقتة، وتم توثيق استخدام أسلحة داخل ليبيا، منها صورايخ أرض جو صينية المنشأ وصواريخ أمريكية مضادة للدبابات وطائرات تركية مُسيّرة متطورة وأنظمة روسية للدفاع الجوي، مما جعلها أول حرب بالوكالة تُستخدم فيها تلك الأنواع المتطورة من الأسلحة.

لكن لماذا شهدت الحرب الليبية اشتراك كل تلك الأطراف؟ الواقع أنه لأسباب عدة، طغت الحرب الليبية على الحرب بالوكالة طويلة الأمد التي شهدتها سوريا، حتى أنه تم تسليط الضوء عليها أكثر من الحرب السورية، حيث أدّت إلى انخراط دول من أوروبا والشرق الأوسط في صراع انتقل صداه إلى البحر المتوسط.

والسبب الأول لتورط القوى الأجنبية في ليبيا هو الانتهازية، وعلى مدار 40 عامًا من حكم معمر القذافي، كانت السلطات تسيطر على الحدود والسواحل الليبية مترامية الأطراف، وبعد أن قام التحالف العسكري التابع لحلف شمال الأطلنطي (ناتو) بالإطاحة بالقذافي في عام 2011، تلاشت سيطرة الدولة الليبية وقامت الجماعات المسلحة بسد هذا الفراغ الأمني، لكن تلك الجماعات حصرت نفسها داخل المناطق المحلية.

وهذا الانفتاح المفاجئ الذي شهدته الأراضي الليبية بدأ بالتزامن مع عدد من التطورات المنفصلة.

اتسعت مشكلة المهاجرين، ومع التضييق على طريق الهجرة عبر تركيا والبلقان وشمال أوروبا بسبب الرقابة الشديدة التي تفرضها الشرطة،لجأ المهربين والمهاجرين إلى البحر المتوسط، حيث باتت الحدود الليبية غير المُراقبة بمثابة أسهل نقطة للعبور، مما جعل من الضروري للدول الأوروبية التي تعُد وجهة للمهاجرين ومصر التي تجاور ليبيا أن تعمل على استعادة الاستقرار وسيطرة الدولة الليبية.

وبالنسبة لدول الخليج التي تورطت سلفًا في الصراع السوري، فقد باتت ليبيا بمثابة فرصة لاستعادة المميزات التي فقدها هؤلاء لصالح تركيا في الصراع السوري. وبناءً عليه، وبطريقة أو بأخرى فقد باتت ليبيا بمثابة استمرار لما حدث في سوريا – استمرار واضح المعالم فيما يخص أنقرة التي تعمدت بلا شك استخدام جنود الجيش السوري الحُر من أجل القتال في ليبيا.

وعلى أي حال، لم يقتنع البعض أن المسألة انتهازية بحتة، وقال الباحث الليبي طارق المجريسي التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية :”جميع الدول المتورطة لديها مصالح في ليبيا، وتلك الدول تحاول التأكيد على أنه ومهما كان شكل الدولة الليبية في المستقبل فقد تم تأسيسها لتخدم تلك المصالح”.

وبالنسبة للمجريسي، فإن ليبيا وسوريا بصورة فعلية تمثلان معركة واحدة، “على المستوى الجيوسياسي الأوسع نطاقًا، يبدو أننا نشهد حقبة تحاول فيها عدد من القوى الوسطى أن تتوسّع تجاه المستوى الدولي وأن تقوم، وبشكل فعال، بسد الفراغ الملموس الذي نتج عن انسحاب الولايات المتحدة من المشهد، وتعُد ليبيا بمثابة الجبهة الرئيسية للمواجهة الدائرة بين تلك القوى”.

ولا يمكن لأي دولة أن تجسد تلك الرؤية للمنطقة بالكامل على أنها ساحة لمعركة واحدة أكثر من روسيا، وعلى العكس من سوريا التي توجد بها قاعدة عسكرية روسية في طرطوس منذ عقود، فإن موسكو لديها مصالح أقل على الأراضي الليبية، وعندما زار فلاديمير بوتين ليبيا للمرة الأولى في عام 2008، كانت تلك هي أول زيارة يقوم بها رئيس روسي للأراضي الليبية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

واليوم، فإن روسيا التي انتعشت بعد نجاحها في دعم نظام بشار الأسد، دخلت على خط الأزمة الليبية يحدوها التفاؤل، حيث أرسلت الأسلحة والطائرات المقاتلة والمتعاقدين العسكريين الذين يعملون في الخفاء من أجل دعم حفتر الذي اختارت موسكو الوقوف إلى جانبه.

ومن ثم فإن ليبيا لم تحل محل سوريا كساحة للحرب بالوكالة بين القوى الخارجية في منطقة الشرق الأوسط، وبدلًا من ذلك، فقد أدّى النزاع الليبي إلى توسيع نطاق تلك الحرب، وما زالت كل من روسيا وتركيا والولايات المتحدة تتصارع على الأراضي السورية حتى لو تراجعت الدول العربية عن دعم جماعات المعارضة.

ولكن الفرق الذي نراه في ليبيا يكمن في أن الصراع لن ينتهي داخل الحدود الليبية، وقد باتت ليبيا اليوم مسرحًا لصراع دولي سواء أرادت الجماعات الليبية هذا الأمر أو رفضته، وهذا ما أكّدت عليه الأحداث التي جرت العام الماضي، وهذا الأمر كان نتاجًا – وبصورة متعمدة – للاتفاقية التي أبرمتها أنقرة مع طرابلس.

وقامت تلك الاتفاقية بتأسيس الحدود البحرية بين الدولتين، لكنها أيضًا قامت بتعيين تلك الحدود بصورة لم ترضى عنها دول أخرى في المنطقة – وهذا يعني أن أية نزاعات حول مصادر الطاقة في شرق المتوسط بات مبعثها ليبيا، والآن باتت هناك عدة صراعات سياسية مرتبطة ببعضها البعض، وقد دفعت تلك الاتفاقية بالعديد من الدول للتدخل في النزاع، هذا النزاع الذي اضطرت دول عديدة إلى التورط فيه من أجل حماية مصالحها الخاصة.

وإذا ما باتت ليبيا مسرحًا للحرب بالوكالة، فإن سبب ذلك يعود في جزء كبير منه إلى أن الدول التي تقاتل على الأراضي الليبية باتت مصممة على تصعيد هذا النزاع بأقوى صورة ممكنة.

 

فيصل اليافعي، يؤلف حالياً كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوروبا وآسيا وأفريقيا.