الشرق الأوسط يُتابع الوضع في إثيوبيا بقلق

فيصل اليافعي

AFP Photo: Eduardo Soteras

يتفق معظم الإثيوبيين على البعد المكاني لإقليم “تيجراي” القابع في أقصى شمال البلاد على الحدود مع إريتريا. ومع ذلك، باتت الحرب المفاجئة التي انطلقت شرارتها في الرابع “4” من نوفمبر/تشرين الثاني تنذر بدمار الإصلاحات الداخلية التي نفذها رئيس الوزراء الشاب في البلاد – وتنذر أيضًا بتدخل الدول الخارجية، وأولهم، دول الشرق الأوسط.

وفي أقل من ثلاث سنوات فقط، جعل “آبي أحمد” من نفسه وسيطًا قويًا في منطقة الشرق الأوسط.

أقام “آبي أحمد” علاقات قوية مع دول الخليج، وساهم في تدفق الاستثمار إلى بلاده: وبعد أسابيع فقط من توليه منصبه عام 2018، تعهدت الإمارات بتقديم ثلاثة “3” مليارات دولار في شكل مساعدات واستثمارات. وتنفذ إحدى شركات التطوير الموجودة في أبو ظبي مشروعًا سكنيًا وتجاريًا بقيمة 2 مليار دولار في العاصمة أديس أبابا، وهو أكبر مشروع تطوير تشهده المدينة. كما قدمت المملكة العربية السعودية قروضًا بالملايين، واستضافت حفل توقيع اتفاقية السلام التاريخية التي وقعها “آبي” مع إريتريا عام 2018.

ويحيط بإثيوبيا العديد من الدول الضعيفة والأصغر مساحة، مثل إريتريا وجيبوتي وإقليم الصومال المنفصل عن الصومال. وهي الدول التي بدأت دول الشرق الأوسط بتشييد منشآت تجارية وعسكرية بها.

كما أن “آبي أحمد” هو أيضًا محور القضية الدبلوماسية الأكثر إلحاحًا في شرق إفريقيا، وهي الخلاف مع مصر والسودان حول سد النهضة الإثيوبي الكبير. وكان “آبي” قد سافر إلى الخرطوم لضمان استئناف المفاوضات في أغسطس/آب، ويبدو أن علاقته طيبة بالرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي”.

ازدادت أهمية “إثيوبيا” بالنسبة لدول الشرق الأوسط خلال هذا القرن، ولكن مع وجود “آبي أحمد” في السلطة، صار وجودها أمرًا لا غِنى عنه لتنفيذ خطط العديد من عواصم المنطقة.

وقد باتت تلك الاشتباكات الجديدة، وهي الأسوأ من بين العديد من المُناوشات العرقية التي عصفت بولاية “آبي” القصيرة، خطرًا يُهدد بتقويض الكثير من الأعمال الجيدة التي قام بها “آبي أحمد”. وذلك لأن ما يحدث في أقصى شمال البلاد هو مزيج قابل للاشتعال من المنافسة السياسية والتظلمات العرقية، وهو مزيج لا يمكن حله حتى باستخدام القوة العسكرية الحاسمة.

ويبدو أن “آبي أحمد” عازمٌ على تسوية الأمر بشكل حاسم، حيث أغلق الطرق وقطع الاتصالات في المنطقة، وأصدر أوامره بشن غارات جوية ليلة الانتخابات الأمريكية. وباتت الأوضاع مهيأة لمواجهة طويلة من شأنها أن تستقطب دول الجوار.

وبدأت التداعيات فعلاً. ففي العاشر “10” من نوفمبر/تشرين الثاني، أفادت وكالة الأنباء الحكومية السودانية أن أول فوج من اللاجئين الإثيوبيين قد عبر الحدود، وأن الخرطوم بصدد إعداد مخيمات تحسبًا لقدوم المزيد منهم.

وستكون معظم دول المنطقة قد تبنت نفس وجهة النظر التي أعربت عنها “إريتريا” هذا الأسبوع قبل وصول الأنباء المتعلقة بأول فوج من اللاجئين، والتي مفادها أن الاشتباكات كانت “صراعًا داخليًا [ولسنا أحد أطرافه]”. ولكنها اليوم صارت حادثة دولية من شأنها أن تسلط الضوء على سجل “آبي أحمد” فيما يتعلق بالتوترات العرقية، وبالأحرى على تأجيله لتطبيق الديمقراطية: ففي يونيو/حزيران، أجل “آبي أحمد” الانتخابات المقرر إجراؤها هذا الخريف إلى أجلٍ غير مسمى أو على الأقل “إلى حين الاطمئنان أن فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” لم يعد يشكل قلقًا على الصحة العامة، وهو نوع من الغموض الذي يصيب المعارضين بالتوتر.

وعلى الرغم من أنه لا أحد يُريد نشوب حرب أهلية في إثيوبيا، إلا أن هناك قلة في المجتمع الدولي أو في الشرق الأوسط تريد رؤية “آبي أحمد” نفسه مشتتًا أو مهمشًا أو مخلوعًا من منصبه. وهذا هو الاندماج الغريب بين القائد والدولة.

أصبح “آبي أحمد” شخصيةً تنعقد عليها آمال العالم الخارجي. فقد حصل على جائزة نوبل للسلام العام الماضي، كما عرض عليه صندوق النقد الدولي قرضًا بقيمة 3 مليارات دولار بفضل عزمه على إنهاء الاقتصاد الذي تقوده الدولة.

وقد تُؤدي حرب جديدة إلى حالة من عدم اليقين التام، من شأنها أن تغير المناخ السياسي – فرغم كل شيء، لم يصل “آبي أحمد” نفسه إلى السلطة إلا بعد الاستقالة المفاجئة لسلفه.

ومع ذلك، وعلى الرغم من المخاطر التي يتعرض لها الرجل الذي انعقدت عليه الآمال، ليس في إمكان القوى الخارجية سوى القليل لتفعله. ولا شك أن سياسات هذا الصراع بالغة التعقيد، وتتجاوز المظالم العرقية والتحالفات التاريخية.

كان الحزب السياسي الحاكم في إقليم “تيجراي”، جبهة تحرير شعب تيجراي، منذ عقود طويلة وحتى العام الماضي جزءًا من ائتلاف حاكم مُكون من أربعة أحزاب سياسية. وسعى “آبي أحمد” إلى تفكيك هذا الائتلاف الودي، وإصلاح السياسة الإثيوبية، وأنشأ حزبًا وطنيًا جديدًا، ولكن الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي رفضت الانضمام له.

لكن “آبي أحمد” أطلق العنان للتوترات العرقية أثناء تلك الإصلاحات: وفي الصيف الماضي، وقعت اضطرابات بين مجموعة الأمهرة العرقية، ثاني أكبر مجموعة عرقية في البلاد. وبعد بضعة أشهر، اندلعت اضطرابات بين مجموعة أورومو العرقية، وهي الأكبر في البلاد، والتي ينحدر منها “آبي أحمد” نفسه. والآن انفجرت التوترات مع التيجرايين، المجموعة العرقية الرئيسية في إقليم “تيجراي”.

تحدث جميع تلك الانقسامات داخل إثيوبيا منذ سنوات، ولكن الإصلاحات التي حدثت خلال عهد “آبي أحمد” دفعت تلك الانقسامات إلى الظهور: شهد هذا العام وحده عدة اشتباكات مرتبطة بالعرق في جميع الأقاليم الإثيوبية. وانعقد الأمل في أن يتمكن “آبي أحمد” من السيطرة على التوترات، بينما كان يمضي قدماً في الإصلاح الاقتصادي والسياسي. ولكن يبدو هذا الأمل اليوم في غير محله. حيث يستند المستقبل اللامع الذي كان “آبي أحمد” عازمًا على دفع البلاد نحوه إلى مواقف متقلبة.

وحاليًا، لا يسع دول الشرق الأوسط التي استثمرت أموالًا وخططًا عسكرية وسياسية في هذه الحكومة الإثيوبية سوى متابعة الوضع والتساؤل عما إذا ما قام به “آبي أحمد” خلال ثلاث سنوات لتغيير العلاقات الدبلوماسية لإثيوبيا وسمعتها الدولية على وشك الانهيار في غضون أسابيع.

 

يكتب “فيصل اليافعي” حاليًا كتابًا عن الشرق الأوسط، وهو أحد المُعلقين السياسيين الذين يتكرر ظهورهم في الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و “بي بي سي”، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.