عقدة المنقذ لدى ماكرون لن تساعد المستعمرات الفرنسية السابقة

فيصل اليافعي

AFP Photo: Thibault Camus

وكالعادة يكون الأسلوب هو كل شيء؛ حيث قال الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” أثناء رحلته في بيروت المنكوبة في وقت سابق من هذا الشهر، بعد الانفجار الهائل الذي وقع في ميناء المدينة، “إن فرنسا لن تتخلى عن لبنان”. وجاء هذا الحديث أمام من كان يتحدث إليهم ماكرون- وهو حشد مذهول مصدوم من هذا الحادث الصادم – على أنه طمأنة من صديق قوي. ومع ذلك، كانت كلماته أكثر من مجرد نفحة من المستعمر السابق المتبجح.

ولم تكن الرمزية أيضًا ذات جدوى؛ ففي وقت لاحق، تحدث ماكرون إلى وسائل الإعلام العالمية في مؤتمر صحفي، بينما وقف قادة لبنان خلفه والصمت يعلو وجوههم. وربما كانت الرمزية السياسية هنا غير مقصودة؛ حيث كان ماكرون حريصًا على القول بأنه “لا يوجد حل فرنسي” للبنان”، ولكن أفعاله تقول شيئًا آخر.

ومنذ زيارته إلى لبنان، أجبر ماكرون الحكومة اللبنانية على تشكيل حكومة تكنوقراطية مؤقتة لتنفيذ الإصلاحات. وأعرب “ماكرون” بوضوح عن تفضيله لرئيس وزراء جديد – على الرغم من أن الانتخابات النيابية اللبنانية ستنعقد بعد عامين.

وهنا تكمن الصعوبة في رغبة الرئيس الفرنسي المفاجئة في مساعدة لبنان؛ فقد تكون نصيحته صحيحة – لأن لبنان تحتاج قطعًا إلى ميثاق سياسي جديد – لكن “ماكرون” ليس بالرجل المناسب لتقديم الحلول. لأن المستعمرات الفرنسية السابقة بحاجة إلى مزيد من الاستقلال، وليس أقل من ذلك. واللبنانيون هم المسؤولون عن إعادة بناء عاصمتهم الممزقة من الألف إلى الياء. ويجب أن يكونوا هم من يبنوا النظام السياسي.

وفي وسط الأسى والغضب والحيرة التي أعقبت الانفجار في مرفأ بيروت، وقع عشرات الآلاف على عريضة تطالب بإعادة البلد تحت الوصاية الفرنسية للسنوات العشر القادمة. ولكن كما اعترف ماكرون، لا توجد إمكانية لذلك، لكن الرئيس الفرنسي لم يتورع عن تقديم نفسه على أنه المنقذ للبلاد.

وفضلا عن انتقاده قادة لبنان علنًا، فقد حدد لهم “ماكرون” موعدًا نهائيًا على طريقة مدير المدرسة الغاضب. وعندما يعود الرئيس الفرنسي لتقديم “خطته “للبلد” – أي بلد، فيجب الإشارة إلى، أن هذا البلد كان مستقلاً عن فرنسا لما يقرب من ثمانية عقود – وسيكون ذلك في الأول من سبتمبر، وهو تاريخ استفزازي متعمد، أي قرن بالضبط منذ بداية الحكم الفرنسي.

ولم يتبق سوى أسبوعين فقط على هذا الموعد.

وهذا وقت كافٍ للرئيس الفرنسي للتشاور مع المجتمع المدني اللبناني حول رؤيتهم لمستقبل بلادهم، كما أنه وقت كافٍ لاستمالة الجالية اللبنانية الكبيرة في فرنسا نحو أفكار المجتمع المدني الإصلاحية. وقد آن الأوان لتقديم مقترحات لإصلاح الميثاق الوطني لعام 1943 أو التخلي عنه، وهو الذي أوجد النظام السياسي الطائفي الذي لا يزال يعاني منه لبنان، وتم العمل به خلال الوصاية الفرنسية.

ويبقى أن نرى ما إذا كان ماكرون سيتخذ أيًا من تلك الخطوات للسماح للبنانيين بأن يكون لهم رأي في مستقبل البلد الذي ينوي “إنقاذه”.

ولا تقتصر “عقدة المنقذ” لدى ماكرون على الشرق الأوسط. فهناك دور سيلعبه “ماكرون” في الأزمة التي اندلعت هذا الأسبوع في مالي. ففي 18 أغسطس، اعتقل جنود متمرّدون الرئيس المالي “إبراهيم أبو بكر كيتا”, واجتاح “البلاد” على مدار عدة أشهر احتجاجات مناهضة للحكومة تطالب باستقالة كيتا.

وكما هو الحال مع لبنان، فلن تأخذ فرنسا موقف المتفرج، وذلك لكونها القوة الاستعمارية السابقة والمشارك الحالي النشط في السياسة المالية. وكان التدخل العسكري الفرنسي في عام 2013 هو الذي أوقف التمرد الإسلامي في شمال مالي ومهد الطريق لإجراء انتخابات في ذلك العام والتي جاءت بـ”كيتا” إلى السلطة.

ومع ذلك، وفي ظل استمرار الاحتجاجات هذا الصيف، رفض ماكرون بشكل واضح الانضمام إلى دعوات “إيكواس”، المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وهي كتلة إقليمية، للوساطة في مالي. وفي سابقة هي الأولى من نوعها وصل إلى مالي في يوليو وفدًا من “إيكواس” يضم خمسة من قادة غرب إفريقيا، ودعموا حكومة الوحدة الوطنية في مالي. إن وجود إشارة من “ماكرون” بأنه يدعم وساطتهم كان من الممكن أن تكون علامة قوية على تراجع فرنسا عن مشاركتها في المنطقة، والسماح للقادة الأفارقة بتقرير مستقبل إفريقيا. ومنذ ذلك الحين، استمرت الاحتجاجات، وبلغت ذروتها فيما يبدو أنه انقلاب ضد الرئيس.

وهنا تكمن القضية الأساسية، وهي أن فرنسا ليست متفرجًا بريئًا على مشاكل الساحل والشام، ولا صديقة حديثة. وعلى العكس من ذلك، فلطالما شاركت فرنسا في كلتا المنطقتين لعقود من الزمان، ولم تبدي فرنسا أي مؤشرات على التخلي عن أهدافها.

وهذه ليست مجرد مشكلة سياسية، ولكنها مشكلة مزاجية أيضًا.

فبالنسبة للجانب السياسي، وكما أثبتت جولة ماكرون في بيروت، لا تزال فرنسا تحظى بدعم هائل في لبنان. ويأتي هذا الدعم بالتأكيد ردًا على عدم كفاءة القيادة العتيقة الحالية. ولكنه أيضًا أحد عوامل المصالح التجارية الوثيقة التي تربط النخب الفرنسية واللبنانية على مدار عقود من الزمان. يرتبط المال بالسلطة ارتباطًا وثيقًا، وينطبق الشيء نفسه مباشرة على كل مستعمرة فرنسية سابقة في منطقة الساحل، بما في ذلك مالي.

أما الجانب الثاني فهو الجانب المزاجي. ويبدو أن ماكرون ينظر إلى نفسه على أنه زعيم الملاذ الأخير، وسياسي يمتلك وحده القدرة على إنجاز الأمور عندما يفشل الآخرون. والجانب الآخر من هذا الاعتقاد هو أنه نادراً ما يسمح للآخرين بالمحاولة.

وعندما تم انتخاب ماكرون رئيسًا لأول مرة، أعلن أنه رأى نفسه جوبيتر”، وأنه يتحكم في الصراع السياسي مثل الإله الروماني. وسرعان ما سئم الجمهور الفرنسي من هذا الوضع، ولا شك في أن اللبنانيين سيسئمون أيضًا إذا تحققت خطته المعلنة. ولا يحتاج لبنان إلى عودة الوصاية، بل هو بحاجة إلى إنهاء تداعيات الوصاية، لا ينطوي فك تلك الخيوط على شخص واحد فقط مهما كانت قوته. ولن تكون عقدة المنقذ لدى ماكرون كافية لإنقاذ البلدان المعقدة.

 

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كاتبًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.