ماكرون لا يرغب في الإصلاح الإسلامي، بل يرغب في إعادة انتخابه

فيصل اليافعي

AFP photo: Ahmad Gharabli

انطلقت حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية قبل ثمانية عشر شهرًا من موعدها. وفي ظل إعلانه المثير للإعجاب عن قواعد العودة إلى العمل والتي بشر بها في يونيو/حزيران مع تخفيف قيود الإغلاق في البلاد، أطلق “إيمانويل ماكرون” شارة بدء السباق الرئاسي بتحذير الجالية المسلمة. وفي خطوة وصُفت بأنها “إجراء قمعي” أو “إصلاح” للإسلام”، وضع ماكرون المجتمع المسلم في مرمى النيران السياسية، وأعلن عن سن قانون جديد قال إنه سينهي “الانفصالية” الدينية ويحرر الإسلام في فرنسا من “التأثيرات الأجنبية”.

وكما هو حال السياسة في كثير من الأحيان، فالهدف الحقيقي يكمن في مكان آخر. وقد يؤمن ماكرون حقًا بإصلاح وسائل التعليم الديني -على الرغم من أن مجتمع الأقلية الأكبر في البلاد كان في كثير من الأحيان كبش فداء لوزرائه. ورغم ذلك، يثق “ماكرون” في فوزه بالانتخابات المقبلة. ومن أجل ذلك، سيحتاج “ماكرون” إلى ترويض ذلك التهديد الذي يفوق الأئمة الذين تدربوا في الخارج: إنه كبح صعود اليمين المتطرف.

والتاريخ لا يصب في مصلحة ماكرون. فبالرغم من أن آخر رئيسين لفرنسا لم يشغلا سوى فترة واحدة، إلا أن التاريخ، ولحسن حظ ماكرون، يوفر أيضًا الحلول. وفي منتصف القرن الماضي، لم يفز أي زعيم فرنسي بأكثر من 54 في المائة من الأصوات. وهناك استثناءان بارزان، وهما: جاك شيراك في عام 2002، عندما فاز بنسبة 82 في المائة في مواجهة زعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبان، وماكرون نفسه في عام 2017، عندما حصل على 66 في المائة من الأصوات في مواجهة مارين ابنة لوبان. ومن ثم، فلن يواجه أي سياسي فرنسي خصمًا أفضل من لوبان.

وفي الأسبوع الماضي، أظهر استطلاع جديد أن الجمهور الفرنسي يرغب في منافسة حقيقية. وكان “ماكرون” و”مارين لوبان” متقدمين بفارق كبير على السياسيين الآخرين، وكلاهما مرشح لحصد “25%” من الأصوات إذا جرت الانتخابات الآن.

ويضع هذا الرئيس الفرنسي الوسطي في مأزق، وهي رغبة كلاهما في أن يكون اليمين المتطرف خصمًا، والتخوف من قوة أفكارهم. وإذا ما تخلى “ماكرون” عن عاملي القلق هاذين، فسيكتسح أبرز خصومه السياسيون أنفسهم، وتجدهم يكتسون بزي اليمين المتطرف المناهض للهجرة.

ومن هنا جاء “ماكرون” بخطته لمعالجة “الانفصالية” الإسلامية. ومن خلال التطرق قليلاً إلى أحزاب اليمين، وبالحديث عن الانفصالية والسيطرة على الأئمة، والتطرق قليلاً إلى أحزاب اليسار، من خلال الإقرار، في الخطاب نفسه، بمسؤولية الماضي الاستعماري عن وجود الأحياء الفقيرة في فرنسا، يأمل “ماكرون” في البقاء في الوسط بينما يركب موجة اليمين المتطرف التي تجتاح أوروبا. إنها استراتيجية جيدة شهدت فوز سياسيين أوروبيين آخرين بالرقص على أنغام اليمين المتشدد.

ولكن ما يعيب الاستراتيجية أن “لوبان” قائدة فرقة موسيقية ويمكنها وضع الموسيقى بحسب الحالة المزاجية.

وبالنظر إلى رد فعل التجمع الوطني، وهو الاسم البديل للجبهة الوطنية، على خطاب “ماكرون”، سنرى الموضوعات التي سيدور حولها العراك الانتخابي: إنها ليست الهجرة، في حد ذاتها، والتي يمكن إشباعها بالسياسة، بل هي الحرية والاستقلال، والتي لا يمكن إشباعها.

ولما كان التجمع الوطني هو من دفع “ماكرون” إلى مثل هذا التصرف – وهو ما ادعاه أحزاب اليمين المتطرف والمتشدد في جميع أنحاء أوروبا، وغالبًا ما تكون وللأسف ادعاءات دقيقة- استنتج التجمع الوطني “أنه من المؤسف أن يضطر الفرنسيون، بدعوى مواجهة لإسلام الراديكالي، إلى تقليص حرياتهم أكثر قليلاً، ولاسيما حريات الآباء”.

وجاءت الإشارة إلى الآباء لأن ماكرون، وفي إطار حملته القمعية على “الانفصالية”، أعلن عن إنهاء التعليم في المنزل. ويمثل حظر التعليم في المنزل وصفة سياسية غير تقليدية للانفصالية. والحظر قانوني في فرنسا، على عكس ألمانيا، ولكن لا يفعله الكثيرون – ربما فقط أقل من عشرات الآلاف. وكما هو الحال مع حظر فرنسا للحجاب الكامل للوجه، فإن حظر التعليم في المنزل هو وصفة بدون دليل: ويبدو أن الدولة الفرنسية لا تعرف عدد المواطنين الذين يدرسون لأطفالهم في المنزل، ولا تستطيع الدولة، بسبب الحظر المفروض على جمع المعلومات الدينية، معرفة عدد المسلمين بين هؤلاء.

ورغم ذلك، فإن التعليم في المنزل هو ذلك الخط الفاصل الذي حددته “لوبان” بذكاء، ويمكن تصويره على أنه مسألة حرية. ومع اقتراب موعد الانتخابات، من المتوقع أن تتطرق “لوبان” إلى هذا الموضوع، موضحة أن السياسيين هم من يسعون إلى انتزاع الحرية من الفرنسيين في تحديد ما هو الأفضل لأطفالهم، وما إلى ذلك – وجميع الصيحات الحاشدة المطالبة بالاستقلال عن البيروقراطية الحكومية والتي أثبتت قوتها السياسية لليمين في أوروبا.

وهذا لا يعني أن ماكرون سيخسر أمام لوبان، إذا كانت الانتخابات تتعلق بهما. بل الأكثر وضوحًا هو أن السعي الصارخ لتوظيف حديث اليمين المتطرف سيمنح اليمين المتطرف القدرة على تحويل الحديث إلى أبعد من ذلك، والذهاب بمركز السياسة إلى منطقة مجهولة.

وهذا ما حدث مع الجدال داخل المملكة المتحدة حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: فبمجرد أن وافق حزب المحافظين الوسطي اليميني على “المبدأ” الذي تشترط بروكسل “ترويضه”، أصبح من السهل على مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المطالبة بالمزيد والمزيد، بل أن الموقف الذي أصبح لا مفر منه هو الخروج من الاتحاد الأوروبي بالكامل.

وهذا ما تخشاه فرنسا. وتشكل المواجهة بين ماكرون ولوبان أفضل فرصة لماكرون لإعادة انتخابه. ورغم ذلك، فقد حذر “ماكرون” في خطابه بأن “من يخرج عن المسار باسم الدين، يمكنه أحيانًا التأثير على الآخرين. وينطبق الشيء ذاته على أولئك الذين يخرجون عن المسار باسم السياسة. إن الاستماع عن كثب إلى صفارات إنذار اليمين المتطرف يمكن أن يقود الجمهورية إلى كارثة. وبعد كل شيء، هناك حد لعدد السياسات المتشددة التي يمكن لماكرون تبنيها قبل أن يتحول إلى حزب متشدد.

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كاتبًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.