مشاكل ليبيا: هل ثمة حلول تلوح في الأفق؟

الين ليبسون

FP Photo: Abbas Momani

في الأيام الأخيرة من شهر أغسطس / آب، تمحورت الأحداث في ليبيا وما حولها حول أحاديث عن السلام وصولاً إلى الاحتجاجات العنيفة والقمع الحكومي. غير أن الجزء المأسوي من الأحداث والمتعلق بكون ليبيا دولة فاشلة لم يعد محط اهتمام الصفحات الأولى في الصحف الإخبارية، وقد يكون هذا السرد غير كافٍ لإظهار حالة عدم الاستقرار خارج حدودها. فكيف للمجتمع الدولي إذًا أن يحدد مستوى الجهد والمشاركة المطلوب لمساعدة ليبيا في إصلاح خللها السياسي؟

وفي 21 أغسطس / آب، أعربت “ستيفاني ويليامز”، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة والدبلوماسية الأمريكية، عن ارتياحها وأملها في ظهور الأنباء التي تفيد بأن قادة ليبيا في المناطق الشرقية والغربية بدا وكأنهم متفقون على الإصلاح. وهناك عناصر لإيقاف الحرب الأهلية، وهي: وقف إطلاق النار، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في وسط ليبيا، والانسحاب المتبادل للقوات الأجنبية والميليشيات، واستئناف إنتاج النفط.

ولكن في غضون أيام، اندلع العنف في العاصمة طرابلس. وركز المتظاهرون على سوء الخدمات والفساد. وبالغت الأجهزة الأمنية في ردها على المتظاهرين؛ حيث أطلقت النار عليهم، وهو ما أثار توتراً حاداً داخل الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، وهي حكومة الوفاق الوطني بقيادة رئيس الوزراء فايز السراج. وتم عزل وزير الداخلية من منصبه، غير أن المراقبين الدوليين قلقون الآن بشأن الانقسامات الخطيرة داخل حكومة الوفاق الوطني، الأمر الذي سيصعب من جهود صنع السلام. ويأتي اندلاع أعمال العنف والاضطرابات السياسية بعد أشهر فقط من انتصار العاصمة طرابلس على القائد العسكري القوي الشرقي، الجنرال خليفة حفتر، والذي أطاح سابقًا بمجهود السلام من خلال مهاجمة منافسيه في العاصمة.

وإذا أخذنا هذا التحليل على محمل الجد، فإن الأطراف المعنية تتحمل الكثير من اللوم. وبالإضافة إلى الضعف الواضح للأحزاب السياسية والقادة في ليبيا، تم إيلاء الكثير من الاهتمام للجهات الفاعلة الخارجية والتي تستخدم ليبيا كمنصة أو وكيل لصراعات القوة الجيوسياسية بين مختلف دول الشرق الأوسط. ووضعت تلك اللعبة تركيا وقطر إلى جانب حكومة طرابلس، ومصر والإمارات إلى جانب المتمردين، أو إلى جانب مركز القوة البديلة في طبرق، التي يعمل فيها حفتر على ترتيب سياسي بقيادة مجلس النواب .وكان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ممثلا للشرق في محادثات بدت واعدة قبل أسبوعين فقط.

ونظرًا لتدخل الدول العربية وتركيا التي توفر جميعها الأسلحة والأموال لعملائها، فقد نأت القوى الغربية بنفسها عن الصراع، على الرغم من أنه يمكن استنتاج أن إيطاليا تفضل طرابلس، وقد تميل فرنسا نحو الفصيل الشرقي. ومن جانبها، تدعم الولايات المتحدة الأمريكية في الغالب عملية الأمم المتحدة، على الرغم من أن حديث الرئيس ترامب عن حفتر كان عاطفيًأ وأنه تعرض للضغط من قبل المصريين بشأن قضية ليبيا. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد نقلت سفارتها في ليبيا، لتعمل أولاً في مالطا والآن في تونس.

وفي عهد القذافي، كانت ليبيا مصدرًا لعدم الاستقرار، وتعرقلت قواعد العلاقات الإقليمية بسبب أفكار القذافي حول الوحدة الأفريقية واستخفافه بإخوانه من القادة العرب وتهوره، كما أن استهزائه بالمؤسسات العربية، وسلوكه المتمرد جعله شخصية مثيرة للجدل، إن لم تكن كوميدية، في الشرق الأوسط وخارجه. ولكن عند الإطاحة به بتدخل من حلف شمال الأطلسي “الناتو” في عام 2011، وتعرضه للقتل على يد القوات الليبية، انبثق شكل أكثر خطورة من عدم الاستقرار في ليبيا؛ حيث سمحت الحدود الليبية الشاسعة سهلة الاختراق بانتشار الأسلحة والمتطرفين، وتحملت الدول العربية والأفريقية وطأة الفوضى، وعانت ليبيا نفسها من الهجرة العشوائية داخل البلاد. وكانت الشواطئ الليبية نقاط انطلاق للمهاجرين الأفارقة الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا، والتي تنتهي غالبًا بنتائج مأساوية.

فهل تعيش ليبيا اليوم فصلاً جديدًا من هذا التاريخ المؤسف؟. يشير تدخل الدول الكبرى في الشرق الأوسط في الشأن الليبي إلى ما تراه تلك الدول من أن ثمة تهديد لللاستقرار الإقليمي، ولهذا حاولت تلك الدول التأثير على الصراعات الداخلية بين شطري الأرض الليبية الشاسعة. وعلى النقيض من ذلك، يقول الخبراء أن التدخل الخارجي هو الذي أطال أمد المشاكل الليبية وأدى إلى تفاقمها. ومن اللافت للنظر أن عملية الأمم المتحدة تدعو المقاتلين الأجانب إلى مغادرة البلاد على الفور؛ فلا يمكن لليبيا أن تحل أزمتها السياسية وأزمة الحكم إلا بانتهاء التلاعب بها من خلال مكائد الدول الأكثر ثراءً والتي تعمل على قلب ميزان القوى الداخلي.

وحتى لو تمكن الليبيون من اتخاذ قرارهم بأنفسهم، فلا ينبغي لنا أن نفترض أن السياسيين الليبيين يمكنهم إيجاد أرضية مشتركة بسهولة. وعلى عكس العراق، أو ربما سوريا في يوم من الأيام في المستقبل، فإن الانتقال من دكتاتورية طويلة إلى ديمقراطية هي عملية بطيئة وغير فعالة. وقال الممثل الخاص السابق للأمم المتحدة، غسان سلامة، أن الخلافات بين الشرق والغرب ليست أيديولوجية، إنها تتعلق بالسلطة والمال، مما يعني أنه يمكن للمرء التفاوض وإيجاد حلول وسط. ومع غياب التدخل الأجنبي واستئناف عائدات النفط، يمكن أن تصبح ليبيا أكثر استقرارًا واكتفاءً ذاتيًا.

ولطالما كان هناك انقسام بين الشرق والغرب في ليبيا. وجاءت المعارضة المناهضة للقذافي من الشرق. وكان شرق برقة بطبيعة الحال أقرب إلى مصر، ويحتوي أيضًا على معظم النفط. ولكن النخبة السياسية والآثار الرومانية والقواعد الأمريكية في الخمسينيات كانت جميعها في منطقة طرابلس. ولا يمكن أيضًا تجاهل الاختلافات الثقافية. ويتعلم طلاب الشرق الأوسط أن ليبيا هي منطقة الشفق بين دول المشرق والمغرب العربي، أو الجانب الغربي، والسفر عبر الساحل من الشرق إلى الغرب، وتنوع قوائم الطعام حيث الأرز والكسكس. ولنتذكر أن ليبيا تتميز بمساحتها الواسعة (رابع أكبر دولة في إفريقيا) ولكنها صغيرة من حيث عدد السكان، حيث يبلغ عدد سكانها أقل من 7 ملايين نسمة.

قد تكون الأمم المتحدة الوسيط الرئيس لعملية سلام مثمرة للبلاد، بشرط أن تدعم الأطراف الخارجية هذه العملية، وتترك لليبيين حرية تحديد شروط تقاسم السلطة والمصالحة.

 

إلين لايبسون، نائب سابق لرئيس مجلس الاستخبارات الوطنية، وتشغل الآن منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية سكار للعلوم السياسية والحكومية بجامعة جورج ميسن في ولاية فرجينيا، وهي رئيس سابق ومدير تنفيذي لمركز ستيمسون في واشنطن. وقبل هذه الفترة، قضت “لايبسون” ربع قرن في العمل لدى الحكومة.