الحكومة الليبية المؤقتة: موقف روسيا وتركيا واستمرار غياب الولايات المتحدة

نيكولا ميكوفيتش

AFP photo: Abdullah Doma

تستغل روسيا وتركيا – الحلفاء والأعداء في ذات الوقت – “غياب” الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط من أجل زيادة نفوذهما في المنطقة، و”عودة” أمريكا المتوقعة إلى الساحة الدولية تحت قيادة جو بايدن تعني أن واشنطن ستواجه واقعًا جديدًا على الأرض وهو نجاح كل من موسكو وأنقرة في تقوية موقفهما، ولا يوجد مكان يعُد شاهدًا على تلك الحالة بشكل واضح أكثر من ليبيا، حيث تم تعيين حكومة مؤقتة جديدة عقب اجتماع تم برعاية الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، ولا توجد قضية تدفع بمحور موسكو – أنقرة إلى تحدّي واشنطن أكثر من الطاقة.

وتعُد الطاقة إحدى أهم القضايا التي تحكم العلاقة بين روسيا وتركيا، وقد وصل حجم التجارة بين الدولتين في العام 2019 إلى 26.3 مليار دولار، وتقوم شركة روساتوم الحكومية الروسية والتي تعُد عملاق الطاقة النووية بتشييد محطة نووية بولاية مرسين التركية، وستعمل محطة “آق قويو” حين تكتمل في العام 2024 على توفير حوالي 10% من احتياجات الكهرباء في تركيا، والأكيد هو أن تركيا ستظل تعتمد بشكل كبير على الوقود الحفري، ومن ثم سوف تستمر في الاعتماد مجددًا على روسيا خاصة من أجل الحصول على الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب “ترك ستريم”.

وهذا لا يعني بأي حال أن أنقرة قد وضعت البيض كله في سلة واحدة، وتركيا دائمًا ما تحاول تنويع مصادر الحصول على الإمدادات النفطية.

ومسألة دخول تركيا إلى ليبيا والأنشطة التركية على الأراضي الليبية بما فيها اتفاقية تعيين الحدود البحرية؛ من الممكن أن تسمح لأنقرة في النهاية باستخراج الغاز الطبيعي بشكل مباشر من البحر المتوسط بدلًا من شرائه من روسيا، (ومما لا شك فيه أن تلك الاحتمالية تواجه العديد من المصاعب)، لكن الأراضي الليبية أيضًا تشهد مواجهة بين أنقرة وموسكو حيث تدخلان في منافسة جيواستراتيجية – والاجتماع المعني بالحوار السياسي الليبي والذي تم الأسبوع الماضي برعاية الأمم المتحدة لن يغيّر من الأمر شيئا.

وعلى مدار السنوات القليلة الماضية نجحت تركيا في ضمان حضورها عسكريًا وسياسيًا في ليبيا، التي يُعتقد أنها تملك أكبر احتياطيات نفطية على مستوى أفريقيا وتحتل المركز التاسع على مستوى العالم من حيث امتلاك تلك الاحتياطيات، لكن ومن أجل تأمين النفط وإمدادات الغاز الطبيعي المتوقعة يجب على تركيا أن تسيطر على إقليم سرت الغني بمصادر الطاقة.

وتلك الخطط يبدو أنها تواجه مصاعب على الأقل حتى الآن، وقد فشلت محاولات أنقرة العام الماضي في استخدام وكلائها للتقدم عبر مدينة سرت إلى حقول النفط في منطقة برقة، واليوم وبعد أن تم التوافق حول حكومة مؤقتة فإن احتمال اللجوء إلى العمل العسكري صار بعيدًا.

وهذا الوضع يجعل الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر مستمرًا في السيطرة على أجزاء واسعة من المناطق النفطية والمنشآت الساحلية ذات الصلة، وقد اتهمت تركيا حفتر مؤخرًا – وهو من قاد حصارًا نفطيًا وأغلق آبار النفط لشهور في البلد الذي تمزقه الحروب –ببيع النفط عبر مؤسسات غير قانونية، وقد سمح هذا الأمر لحفتر بجمع مزيد من الأموال والحفاظ على دعم القوى الخارجية.

وبينما لا تزال تركيا تسيطر جزئيًا على حقول النفط غربي طرابلس، فإنها تعتبر هذا الأمر بمثابة مكافئة بسيطة، ويعُد إقليم سرت في القلب من الحسابات التركية، لذا فإن تركيا سوف تستمر في تقوية أوضاعها في المنطقة الشرقية والبحث عن وسائل للسيطرة على حقول النفط هناك ولو بصورة جزئية، ومن أجل تحقيق تلك الغاية فقد أعلنت أنقرة دعمها لعبد الحميد دبيبة؛ رئيس الوزراء المعين الآتي من المنطقة الغربية التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني المدعومة من أنقرة، والذي وصف تركيا بأنها “صديق وحليف”.

وعلى الجانب الآخر من الدولة؛ هناك محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي المؤلف من 3 أشخاص، والذي حصل على تطمينات بأن موسكو وهي الراعي للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر مستمرة في تقوية أواصر التعاون الروسي – الليبي.

والنتيجة أن هناك حكومة مؤقتة جديدة في ليبيا تمثل الشرق والغرب؛ وذلك على الرغم من الازدواجية المستمرة التي تمثلها روسيا وتركيا على الأراضي الليبية، وكل من موسكو وأنقرة سوف تستمران في الانخراط في العمليات السلمية والسياسية، فضلًا عن التحضير للانتخابات المقرر لها ديسمبر القادم، والتي ينظر إليها البعض نظرة شك، لكن وبغضّ النظر عن البيان الذي صدر في نهاية اجتماع الأمم المتحدة بمشاركة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا – تظل الولايات المتحدة غائبة إلى حد كبير.

ويقال أن موسكو نجحت في إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة لأن باراك أوباما سمح لها بذلك، وكما هو الحال بالنسبة لتركيا؛ فإن غياب سياسة أمريكية تحمل توجهات ثابتة خلال عهد دونالد ترامب ادّى إلى توفير عدة فرص استغلتها أنقرة بكل ترحيب، والواقع أن المحللين يفكرون في احتمالية نجاح تركيا في وضع حاملة طائرات قريبًا قبالة السواحل الليبية كمؤشر على تغيير قواعد اللعبة – لكن هذا المستوى من الجرأة الاستراتيجية المتوقعة بات أمرًا عاديًا في ظل غياب التزام أمريكي يتسم بالقوة.

وبسبب ترسيخ وضعهما في المنطقة لسنوات فإن من المتوقع ان تستمر روسيا وتركيا (بالإضافة أيضًا الى إيران والصين) في بسط نفوذها على الرغم من “عودة” الولايات المتحدة، (ملحوظة موجهة لفريق بايدن: إصدار بيان من الأمم المتحدة يدعو روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة إلى ترك ليبيا وشأنها لن يكون بالقوة المطلوبة كما لو صدر عن البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأمريكية، وهذا بالطبع إن لم يكن البيان الصادر عن الإدارة الأمريكية مجرد ذرًا للرماد في العيون)، وحتى الآن فإن الطرف المحظوظ والمستفيد من هذا الاهتمام الدولي البالغ هو الطرف الليبي، وعلينا الانتظار والمشاهدة عن كثب كي نعرف إلى أين تتجه تلك اللعبة.

نيكولا ميكوفيتش؛ محلل سياسي يقيم في صربيا، ويُركز عمله غالبًا على السياسات الخارجية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، مع التركيز بشكل خاص على مجال الطاقة و«السياسات المُتعلقة بخطوط أنابيب النفط».