على اللبنانيين إخراج حزب الله من بلادهم لإنقاذ اقتصادهم. فهل يفعلوها؟

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Anwar Amro

تمر لبنان بضائقة اقتصادية شديدة. وارتفعت أسعار كل سلعة تقريبًا بشكل يفوق قدرة العديد من المواطنين. وبات الكثيرون عاطلون عن العمل، وأغلقت الشركات على وقع صراع وجودي مريع. وربما لا يوجد أكثر من سوق العملات للحكم بدقة على حالة الاقتصاد. وفي هذا الصدد، وعلى الرغم من أن السعر المعلن رسميا للليرة اللبنانية لا يزال– أو كما يتخيل المرء – مثبت عند حوالى 1500 ليرة مقابل الدولار أمريكي، فإن سعر صرف الدولار الواحد يساوي “9,000” ليرة. وهذا يمثل انخفاضًا بنسبة “83%” في ثقة السوق بالاقتصاد.

وبالرغم من ذلك، لا يدرك الكثير من اللبنانيين أن أزمتهم الوطنية هي في واقع الأمر من صنع لبنان نفسها. ويلقي اللبنانيون، في الغالب، اللوم على الحظر الأمريكي – وهو حصار غير موجود فعليًا. إن هذا اللوم غير المناسب يعمي الدولة عن السبب الحقيقي لضائقتها الاقتصادية: وهو حزب الله.

وباستثناء العقوبات التي فرضها ذراع مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية، وهو مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، على عدد قليل من الكيانات والأفراد اللبنانيين المرتبطين بحزب الله – كما يسمى نفسه – لا توجد قيود مالية على دولة لبنان، أو أي قيود فعلية على مؤسسات الدولة، العامة منها أو الخاصة.

وحتى بدون العقوبات، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر – الذي عادة ما يكون المحرك للنمو الاقتصادي – يفقد الثقة في لبنان. ويعزف المستثمرون الأجانب عن جلب أموالهم إلى بلد يعيش في حالة حرب دائمة، بالإضافة إلى تورط حزب الله في صراعات إقليمية في الوقت الحالي- في سوريا واليمن والعراق – أو تهديده بخوض حربٍ على إسرائيل.

وعندما عقدت مجموعة أصدقاء لبنان مؤتمراً دولياً للمانحين قبل عامين، وبات يُعرف بمؤتمر “سيدر”، تعهدت المجموعة بتقديم حزمة إنقاذ بقيمة 11 مليار دولار أمريكي. وكان الشرط الوحيد هو أن تنظم بيروت أمورها، وأن تقضي على الفساد، وتخصص مرافق الدولة – ولاسيما شركة الكهرباء اللبنانية غير الفعالة على الإطلاق.

ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من أن قائمة المانحين تشمل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، إلا أنهما لم يقدما مساهمتهما المشروطة بنزع سلاح حزب الله، وهي منظمة صنفتها الدولتان، لأسباب وجيهة، على أنها مجموعة إرهابية. وربما أدركت الدولتان أن الفساد هو شريان الحياة لحزب الله. ومن ثم، إذا نجح لبنان بالفعل في القضاء على الفساد، فإنه سيقضي على زعيم حزب الله حسن نصر الله وأتباعه.

وتكمن المأساة في أن لبنان لا يستطيع الإصلاح. لأن حزب الله بميليشياته القوية لن يسمح بذلك.

ولأن الإصلاح غير وارد، بات لبنان في اعتماد دائم على التحويلات المالية من مواطنيها المغتربين. وتعتبر تلك التحويلات المالية من بين الأعلى في العالم، ولكن لا يمكن بناء اقتصاد حديث على مثل هذا النظام الريعي الواسع والعميق: فهو يستنزف الطموح وريادة الأعمال. والدولة في حاجة ماسة للتغيير.

وتكمن المأساة في أن لبنان لا يستطيع التغيير. لأن حزب الله بميليشياته القوية لن يسمح بذلك

وعندما شهد الاقتصاد اللبناني آخر تراجع له في أكتوبر، خرج المواطنون اللبنانيون إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير. واتهمهم حزب الله بأنهم عملاء لقوى أجنبية. وأي تلميح بأن حزب الله هو المسؤول عن الانهيار الاقتصادي تم قمعه من جانب عصابات الحزب، الذين قاموا بضرب المتظاهرين في الشوارع.

ولم يكن العنف هو أداة حزب الله الوحيدة. ورغم ذلك، نشر الحزب أيضًا حملة معلومات خاطئة صورت لبنان كضحية للعقوبات الأمريكية، مثل حلفائها سوريا وإيران.

وبعد ذلك، ربط حزب الله وأنصاره كل نقاش في لبنان بإسرائيل. وبغض النظر عن الموضوع أو المشكلة، تجدهم يكررون الشعار بأن حزب الله كان يستعد ليس فقط لشن حرب على إسرائيل، ولكن لتدمير جار لبنان الجنوبي بالكامل وإعادة الإسرائيليين إلى “من حيث أتوا”. ولا يهم مدى ضعف أو احتمالية هذا الربط. ومع ذلك، عندما يكون الرد على الشكاوى المتعلقة بسعر الخبز هو “الحرب على إسرائيل”، فليس هناك مجال لسرد خطط الاقتصاد الكلي أو دعم الأعمال.

وبالنسبة لحزب الله والصفوة اللبنانيين الخاضعين للحزب، فالمسألة اللبنانية هي الحرب والحرب فقط. لقد حولوا البلاد إلى قاعدة صواريخ إيرانية لتهديد إسرائيل وابتزاز أمريكا. وباتت طهران غير راغبة في التخلي عن استثماراها. وتلك هي وصفة الكارثة الاقتصادية المتنامية في لبنان.

ومن شأن حكايات حزب الله الطويلة وخططه الوهمية حول تدمير إسرائيل أن تخلق مزيجًا يشوه المنطق. ولا غرابة إذًا في أن العديد من اللبنانيين العاديين يلقون باللوم على أمريكا في المشاكل التي تعصف بالبلاد.

ولكن يجب عليهم التوقف عن ذلك. وحتى تخرج لبنان من هذا المستنقع، فيتعين عليهم معرفة إن حزب الله هو سبب البلاء الذي يشهده لبنان، ومن ثم فيتعين عليهم الضغط على الطبقة السياسية عن طريق رفض حزب الله. غير أن ذلك لم يحدث حتى الآن. حتى الآن، يلوم لبنان الجميع، ولا يرغب في التخلص من عدوه في الداخل.

 

حسين عبدالله حسين، مدير مكتب صحيفة الرأي الكويتية اليومية في واشنطن، وزميل زائر سابق لدى معهد تشاتام هاوس في لندن.