محادثات ترسيم الحدود مع إسرائيل قد تجعل لبنان دولة طبيعية مجددًا

حسين عبد الحسين

AFP photo: Jalaa Marey

في الرابع عشر من أكتوبر؛ أجرى لبنان محادثات مبدئية مع إسرائيل حول 850 كم مربع من الحدود البحرية المُتنازع عليها، وعلى الرغم من أن تلك المفاوضات كانت تدور حول التنقيب على المواد الهيدروكربونية، إلا أن حقيقة إجرائها تنطوي على اعتراف ضمني من لبنان بدولة إسرائيل. و من المُحتمل أن يلتفت الطرفان إلى النزاعات الحدودية الأخرى في حالة تسوية أمر الحدود البحرية، فضلاً عن التأكيد على اعتراف لبنان بالسيادة الإسرائيلية.

ومما لا شك فيه أن السبب الرئيسي الذي دفع بلبنان للاشتراك في تلك المفاوضات هو دافع اقتصادي، حيث كان لبنان يُعلّق الكثير من الآمال على اكتشافات المواد الهيدروكربونية في منطقة تُسمّى بلوك 4 قبالة السواحل اللبنانية، لكن تلك الآمال تلاشت حين أعلنت شركة الطاقة الفرنسية توتال عن اكتشاف القليل من المواد الهيدروكربونية هناك. واليوم فإن لبنان يحدوه الأمل في الوصول إلى نتائج ملموسة عبر التنقيب في منطقة بلوك 9، ومنطقة بلوك 9 متاخمة لمنطقة بلوك 72 التابعة لإسرائيل. سيوفر تعيين الحدود بين الدولتين لشركات الطاقة الوضوح والأريحية فيما يخص السيطرة على أي اكتشاف مُحتمل.

تنطوي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل على توقيع الطرفين على الخريطة النهائية للمنطقة البحرية، والتي ستودع بعد ذلك لدى هيئة الأمم المتحدة، مما يعني اعتراف لبنان صراحة بإسرائيل كدولة مستقلة ذات سيادة بشهادة الأمم المتحدة. ومن جانبها، أعلنت الولايات المتحدة أنه بمجرد الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية فإنها ستقوم بدور الوساطة لحل الخلافات بين لبنان وإسرائيل حول 13 نقطة على الحدود المشتركة بين البلدين، وهذا يعني ترسيخ مسألة تطبيع العلاقات بين البلدين شيئًا فشيئا.

لكن لا يمكن للمرء أن يتسم بالسذاجة بحيث يتصور أن المسألة ستمُر بتلك السهولة. لماذا؟، الجواب باختصار: حزب الله. وبالفعل، أصدرت تلك الجماعة المسلحة التي تسيطر على السياسة اللبنانية بيانًا قالت فيه إن تلك المفاوضات “لا علاقة لها على الإطلاق” بعقد السلام مع إسرائيل. ويُقر بعض المحللين أن باستطاعة لبنان الوصول إلى اتفاقية لا تصل لمستوى الاعتراف الصريح بإسرائيل، وهذا يعني أن بإمكان حزب الله أن يضرب عصفورين بحجر واحد، ولكن بالطبع، سيكون من الصعب على إسرائيل قبول تلك الاتفاقية، سيخدع حزب الله نفسه إذا ما تصوّر إمكانية قبول إسرائيل بها.

لن تكون هذه هي المرة الأولى.

شهدت الحدود البرية حالة من الفوضى على مدار عشرات السنين – شأنها في ذلك شأن الحدود البحرية. فقد بدأت منظمة التحرير الفلسطينية في شن الهجمات على إسرائيل انطلاقًا من جنوب لبنان منذ أواخر الستينيات، وفي عام 1978 سعت إسرائيل للدفاع عن نفسها في مواجهة تلك الهجمات المُتزايدة من خلال التوغُل شمالًا والاستيلاء على الأراضي اللبنانية. وبعد ذلك بأيام، أصدرت الأمم المتحدة القرار الأمني رقم 425 الذي يدعو إسرائيل إلى الانسحاب.

ولم يسفر القرار عن نتائج جيدة بالقدر الكافي، لكن بحلول عام 2000، سحبت إسرائيل قواتها إلى ما وراء “الخط الأزرق” الذي جرى التفاوض عليه بين لبنان وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة، وقام الرئيس اللبناني آنذاك إميل لحود بالتوقيع على الاتفاقية وأعلن حزب الله انتصاره. ومع ذلك وبدلًا من إنهاء المشكلة الحدودية، افتعل حزب الله نزاعات جديدة عن طريق دفع خطوط الحدود إلى الأمام لأمتار قليلة هنا وهناك.

وباختصار فإن الصراع اللبناني الإسرائيلي كان بتحريض من قوى خارجية مثل: منظمة التحرير الفلسطينية وإيران عبر حزب الله الذي من المفترض أنه يدعم الفلسطينيين. واليوم لم يعد لهذين العاملين وزن يُذكر، وبينما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن هناك 470 ألف فلسطيني يعيشون على الأراضي اللبنانية فإن الرقم الحقيقي ربما لا يتجاوز 165 ألفًا، وبما أن العدد الحقيقي للاجئين لا يزيد عن ثلث الرقم المُعلن عنه، إذن يمكن في النهاية توطين الغالبية العُظمى من هؤلاء اللاجئين في الخارج.

وهذا الأمر من شأنه أن يُجرّد حزب الله من حجته لشن حرب دائمة ضد إسرائيل دفاعًا عن الفلسطينيين وكذا اللبنانيين، وبينما يستحق الفلسطينيون التعاطُف والدعم لما تعرّضوا له على مدار التاريخ؛ فإن الحق يقول أن اللبنانيين يستحقون أن تكون لهم السيطرة التامة على بلادهم وأن يكون بمقدور لبنان اتباع سياسة تخدم مصالحه.

وبالنظر إلى الدين الوطني الذي بات يمثل على الأقل ضِعف الناتج المحلي الإجمالي، والبنية التحتية المُنهارة، والبيئة الملوثة، فقد بات أمام لبنان الكثير من العمل الذي يجب إنجازه للخروج من دائرة الفشل، فضلاً عن أن وضع لبنان لا يسمح له “بالتضامُن” مع أي جهة، فالبلاد في حاجة إلى تطبيق سياسة “لبنان أولًا”، وهو ما يعني الاستفادة من أية فرصة تساهم في النمو الاقتصادي.

تتركز مثل تلك الفرص في الجنوب، حيث يبلغ حجم الاقتصاد الإسرائيلي سبعة أضعاف نظيره اللبناني على الأقل. ويُساوي نصيب الفرد الإسرائيلي من إجمالي الناتج المحلي يُعادل خمسة أضعاف نظيره اللبناني. ولكن من الواضح أن هناك ميزة نسبية يُمكن التفاوض عليها بين الدولتين، حيث يستطيع لبنان على سبيل المثال أن يوفر العمالة الرخيصة – التي تعاني الآن من أنها غير مُستغلّة بالكامل أو تعاني البطالة بشكل تام – ومن ثمَّ يمكن توفير تلك العمالة للمساهمة في الصناعات الإسرائيلية.

يتجه الطريق السريع الساحلي في لبنان جنوبًا نحو الحدود الإسرائيلية. ومن تلك النقطة، يوجد 300 مترًا من الوحل تفصله عن الطريق السريع الإسرائيلي 4. إذا كانت هناك علاقات طبيعية مع إسرائيل، سيجد اللبناني في صور أنه من الأسهل له العمل والتسوق في حيفا الإسرائيلية عن الذهاب إلى بيروت.

ويرتكز دور حزب الله في تلك المفاوضات الحدودية على محاولته تأمين احتياجاته المالية عبر مصادر الهيدروكربون اللبنانية، وذلك بسبب تراجع حجم التمويل الذي يصله من إيران، لذلك، لم يعد الخطر متعلقًا فقط بعائدات الغاز المحتملة، بل صار يتعلّق بقضية أهم؛ وهي إعادة تأهيل لبنان الذي توصّل إلى السلام أخيرًا مع أكبر اقتصاد متاخم لحدوده وهو دولة إسرائيل.

وبينما يمكن للبنان الاستفادة بشكل هائل من احتياطيات المواد الهيدروكربونية المُحتملة؛ وهذا ما يجب التشجيع عليه، فإن استفادة لبنان ستكون أعظم إذا كانت قدرته على استغلال نفس الموارد تأتي نتيجة عقد السلام مع إسرائيل.

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب صحيفةالرايالكويتية اليومية في واشنطن، وهو زميل زائر سابقًا في معهدتشاتام هاوسلندن.