اختطاف مسؤولي النظام دليل على ضعف حكم الأسد

حايد حايد

AFP photo: Louai Beshara

بسط نظام بشار الأسد في سوريا، خلال السبع سنوات الماضية، سيطرته على مناطق كثيرة في البلاد، وهو ما جعل الكثيرين يتوقعون نصرًا دائمًا لدمشق في معاركها المقبلة وكذلك نهاية للحرب الأهلية. وهذا ليس بصحيح. والسبب أن مستوى السلطة التي يتمتع بها النظام داخل تلك المناطق لا يزال محدودًا. ويتجلى ذلك على وجه الخصوص في قدرة سكان تلك المناطق على خطف ضباط الأمن والعسكريين ومبادلتهم بأقاربهم المحتجزين لدى الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد. ويشير ارتفاع معدلات الاختطاف إلى أن حكومة الأسد لا تزال في نظر البعض عدوًا يفرض أسلوبه بطريقة أو بأخرى، وليس بحكومة شرعية يجب على الشعب الخضوع لها.

وبينما تقع عمليات الخطف وتبادل الأسرى طوال فترة الصراع السوري، فإنها تحدث اليوم بشكل خاص داخل مناطق ذات ترتيبات هشة فيما يتعلق بالسلطة بين النظام والمجتمعات المحلية، كما في مدينتي درعا والسويداء. وأقدمت أيضًا مجموعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية” داعش على اختطاف أفراد موالين للنظام ومبادلتهم مع أفراد عائلاتهم. حتى أن نظام الأسد قد توسط في عمليات تبادل مماثلة في المناطق الواقعة شمال شرق البلاد، رغم وجود علاقات ودية مع قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والوجود العسكري المباشر داخل أراضي الأكراد. وتبين عمليات الخطف أن النظام لا يسيطر بشكل كافٍ حتى يستحق الاعتراف به دولة ذات سيادة كاملة على أراضيه.

وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى أن عمليات الاختطاف تحدث داخل المناطق التي يُفترض أنها خاضعة لسيطرة النظام. وينتشر تبادل الأسرى في محافظة السويداء جنوب البلاد. ولم يتضح بعد العدد الدقيق لعمليات الاختطاف تلك بسبب السرية التي تحيط بها عادة، رغم أن أحد المواقع الإخبارية المجلية قد أفادت باعتقال أكثر من “49” شخصًا من أفراد الأمن والعسكريين في السويداء في عام 2020. وبالتالي، من المحتمل أن يكون العدد الفعلي لعمليات الاختطاف أكبر من ذلك.

وعلى الرغم من أن محافظة “السويداء” لاتزال تحت سيطرة النظام طوال فترة النزاع، فقد ظهرت جماعات مسلحة محلية لحماية مجتمعاتها المحلية من التهديدات الخارجية، بما في ذلك النظام. واعتاد السكان المحليون خطف أفراد الأمن والعسكريين عند اعتقال أشخاص تابعين لهم أو “”إخفائهم” قسراً من جانب النظام. وبعد التأكد من أن القوات الموالية للنظام هي المسؤولة عن عمليات الإخفاء، نصب أقارب الضحايا تفتيش حواجز متنقلة داخل المدينة أو على الطرق الرئيسية بحثًا عن مسؤولين أمنيين أو عسكريين.

والجدير بالذكر أن عمليات تبادل السجناء لا تقتصر على الأشخاص المحتجزين داخل البلاد. فعلى سبيل المثال، أقامت مجموعة في السويداء نقطة تفتيش مؤقتة في وقت سابق من هذا العام على الطريق السريع الذي يربط السويداء بدمشق، مما أدى إلى اختطاف ضابط من اللاذقية خدم في السويداء. ونفذ عملية الخط تلك أقارب الشاب المختفي في حمص.

ويختلف الوضع قليلاً في درعا. ورغم أن النظام السوري قد استعاد سيطرته على محافظة “درعا” في صيف 2018، إلا أن اتفاقيات الاستسلام التي رعتها روسيا قد سمحت للجماعات المتمردة السابقة بالاحتفاظ بأسلحتها الخفيفة وسلطتها المحدودة. ولهذا، باتت عمليات الخطف في درعا صعبة ونادرة مقارنة بالسويداء، وهذا لأن “درعا” لاتزال منطقة خطر، وبالتالي تتحرك قوات النظام في مجموعات أكبر، مما يجعل اختطافهم أمرًا بالغ الصعوبة.

وعلى الرغم من هذه الاختلافات، فعادة ما يكون الخاطفون هم من يبدأون بالمفاوضات في كلتا المحافظتين، ويفوضون وسيطًا للتوصل إلى عملية لتبادل أسرى مع الجهاز الأمني المعني التابع للنظام. وعادة ما يكون الوسطاء من الشخصيات البارزة محليًا، ولديهم اتصالات مع مسؤولي النظام الحاليين أو المتقاعدين، أو مع رجال الدين ورجال الأعمال المتحالفين مع دمشق.

وتختلف مدة هذه المفاوضات باختلاف المكان الذي يتم فيه إلقاء القبض على الأشخاص، والجهاز الأمني التابع للنظام الذي ألقى القبض عليهم. يكون التوصل إلى اتفاق نهائي أسرع إذا تم اعتقال الشخص المقبوض عليه محليًا من جانب نفس الفرع الأمني المشارك في المفاوضات. واستغرقت مفاوضات السويداء وقتًا أطول من المعتاد لأن المفاوضات جرت مع رئيس الأمن العسكري في السويداء، بينما جاء اعتقال الشخص المراد مبادلته في حمص.

وتوضح عمليات الخطف مدى ضعف سلطة النظام. وفي السويداء، تجنب النظام المواجهات المباشرة مع الجماعات المسلحة المحلية بسبب الروابط الاجتماعية والدينية القوية لهذه الجماعات مع المجتمعات المحلية. وقد يؤدي استهداف الفصائل المحلية إلى تأليب الطوائف الدرزية في السويداء على النظام. وعلى النقيض من ذلك، حاولت دمشق بين الحين والآخر فرض سلطتها في درعا، لكن المقاومة المحلية القوية والوجود الروسي هناك حالا دون تحقيق أي نجاح حقيقي.

واستشعارًا بعجز النظام، استمرت عمليات الخطف، والتي أدت بدورها إلى زعزعة استقرار درعا والسويداء.

إن استمرار العنف الذي ترعاه الدولة، وانتهاك الاتفاقيات، وعدم وجود نظام قضائي مستقل لمحاسبة قوات الأمن، يشير بقوة إلى أن اختطاف المسؤولين الأمنيين، بصفته شكل من أشكال الحماية الذاتية، من المرجح أن يستمر في المستقبل المنظور. وفي غضون ذلك، قد يؤدي توسع نظام الأسد في بسط سيطرته على البلاد – كما هي – إلى تحسين مسار سلطة قواته المسلحة، غير أن هذا التوسع لن يعزز شرعية نظامه، حتى في عيون من يعيشون تحت قبضته.

حايد حايد، زميل باحث في المركز الدولي لدراسة التطرف بجامعة كينجز كولدج بلندن، وهو أيضاً زميل باحث استشاري في برنامج معهد تشاتام هاوس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.