الأردن يحاول جاهدًا اجتثاث جذور العنف ضد المرأة

سها المعايه

Image courtesy of AFP

أدى مقتل الطالبة الجامعية ذات الـ 21 ربيعاً “إيمان إرشيد”، إلى تسليط الضوء مرة أخرى على الواقع المرير المتمثل في العنف القائم على النوع، والذي لا يزال معضلة متأصلة ومثيرة للخزي في الأردن وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط.

وأطلق مهاجمها “عدي حسن” البالغ من العمر37 عاما، النار عليها خمس مرات على الأقل في حرم إحدى الجامعات في إربد، وبعد مضي عدة أيام، أطلق الجاني النار على نفسه بعد أن طلبت منه الشرطة الاستسلام.

وجاء مقتل إيمان بعد أيام قليلة من جريمة مماثلة في مصر، حيث قُتلت “نيرة أشرف”، وهي طالبة جامعية تبلغ من العمر 21 عامًا من مدينة المنصورة، بعد أن رفضت عرض زواج من قاتلها.

وفي حين لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في كشف اللثام عن تلك الجرائم المروعة ضد المرأة، إلا إنه للأسف الشديد، لا تزال العديد من قضايا العنف القائم على النوع في الأردن وخارجه بعيدة عن أعين الرقيب. والعنف ضد المرأة أمر شائع جداً لدرجة أن ضرب الزوجة شيء رائج نسبيًا، وما يثير القلق هو أنه أمر مقبول على نطاق واسع، حيث وجد استطلاع رأي حكومي نُشر في عام 2019 أن 69٪ من الرجال و46٪ من النساء اتفقوا على أن ضرب الزوجة قد يكون سلوكاً له ما يبرره.

وتعرضت 37 في المئة من النساء في العالم العربي لشكل من أشكال العنف على مدى حياتهن، وذلك وفقاً لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، على الرغم من أن المؤشرات تشير إلى أن الرقم الفعلي قد يكون أعلى من ذلك، ويمكن مقارنة تلك الأرقام بنسبة 21 في المئة في أوروبا الغربية و25 في المئة في أمريكا الشمالية، والوضع في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية بعيد كل البعد عن الوضع المثالي للمرأة.

وللأسف الشديد، غالبًا ما تتردد النساء في الأردن في الإبلاغ عن الرجال الذين يمارسون الاعتداد عليهن، خشية من الانتقام، ولشكهن الدائم في قدرة الأنظمة والمؤسسات داخل المجتمع الذكوري على حمايتهن.

فضلاً عن ذلك، هناك ميل ونزعة متواصلة في المجتمع لإلقاء اللوم في حوادث الاعتداء الجنسي على عاتق الضحية بدلاً من الجاني.

وتملك الأردن واحد من أدنى معدلات مشاركة النساء في القوى العاملة في العالم، حيث تبلغ 13 بالمائة فقط، مما يعني أن معظم النساء يعتمدن على أزواجهن مالياً، وذلك لا يترك لهن الكثير من الخيارات إذا ما فكرن في ترك الزوج المعتدي.

ولا ترغب العديد من العائلات في عودة البنت المطلقة إلى المنزل، خشية من وصمة العار، وغالبًا ما يطلبون من ابنتهم ترك الأبناء مع والدهم حتى يتمكن من إعالتهم.

وذلك هو السبب في أن الغالبية العظمى من النساء المضطهدات يعانين في صمت، مما يخفي آلامهن ويشجع الرجال على التمادي في العنف مع زوجاتهم أو أخواتهم أو بناتهم من خلال الدفع والصفع أو حتى القتل.

وعندما اجتاح الوباء الأردن في شهر مارس من عام 2020، شهدت المملكة ارتفاعاً في قضايا العنف الأسري، مثلها مثل العديد من البلدان الأخرى. وأبلغت إدارة حماية الأسرة، وهي وحدة شرطية تعمل على مكافحة العنف الجنسي والاسري، عن 1534 حالة عنف أسري، بزيادة 33 في المئة خلال الشهر الأول من فترة الإغلاق.

لكن قلة من النساء أمتلكن الشجاعة لرفع أصواتهن، وكانت إحداهن إيمان الخطيب، وهي أم دون مُعيل، وتبلغ من العمر 36 عامًا، حيث سردت تفاصيل مروعة عن سوء المعاملة التي تلقتها من شقيقها ووالدتها، وقد أُجبرت على الفرار من منزلها مع ابنها البالغ من العمر 13 عامًا في شهر أبريل 2020، وتم نقلها لاحقًا إلى منزل آمن.

وحتى قبل الجائحة، أظهر استبيان حول السكان وصحة الأسرة في عام 2017-2018 أن 26 بالمائة من النساء المتزوجات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عامًا تعرضن للإيذاء الجسدي أو اللفظي والعنف الجنسي مرة واحدة على الأقل من قبل أزواجهن، لكن الاعتداءات تأتي أيضًا من أفراد الأسرة الذكور الآخرين.

وقتلت أحلام التي بلغت من العمر 40 عام قبل عامين، على يد والدها بطوبة في وضح النهار، وذكرت تقارير إعلامية محلية أنه دخن سيجارة واحتسى كوباً من الشاي بجانب جثتها بينما كان ينتظر وصول سيارة الشرطة.

وفي حادثة مروعة أخرى في عام 2019، أصاب رجل بلغ من العمر 31 عامًا زوجته بالعمى بعد أن فقع عينيها.

وأثارت تلك الحوادث الكبيرة موجة غضب، ودفعت الأردن إلى اتخاذ بعض الخطوات.

حيث عززت إدارة حماية الأسرة جهودها لتوفير حماية أقوى للنساء من ضحايا العنف، وبالإضافة إلى الخط الساخن الذي يعمل على مدار 24 ساعة، فقد سهّلت تلك الإدارة على الضحايا تقديم الشكاوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيق الشرطة.

لكن الجهود المبذولة للقضاء على العنف القائم على النوع لم تكن كافية.

فلا يتضمن قانون الحماية من العنف الأسري، الذي تم اعتماده في عام 2017، تعريفًا لمعنى العنف ضد المرأة، فاغتصاب الزوج لزوجته لا يُعد جريمة.

وتقدم المنظمات غير الحكومية المساعدة والدعم القانوني، لكنها ما زالت تكافح بسبب الموارد المحدودة، وهناك عدد من برامج التمكين الاقتصادي لتزويد النساء ببعض المهارات، لكنها لا تكفي لدفع الفواتير أو رعاية الأطفال.

بالإضافة إلى ذلك، يتم تشجيع الأزواج من قبل إدارة حماية الأسرة على تسوية النزاعات ودياً إذا لم تكن الإساءة جريمة جنائية، وقد يتوقف بعض الرجال عن تلك الأفعال متى عرفوا أن إيذاء المرأة أمرًا غير مقبول، لكن البعض الآخر يستمر في سلوكه، خاصة إذا لم يكن للمرأة أسرة تعيلها، ونظرًا لأن معظم النساء يلجأن إلى الإبلاغ عن سوء المعاملة كخيار أخير، فمن غير المرجح أن تنجح المصالحة مع المعتدي في أحسن الأحوال وفي أسوأ الأحوال قد تكون العودة له في غاية الخطورة.

وقد تمنت بعض ضحايا العنف من النساء اللاتي تحدثت إليهن موت أزواجهن، والأخريات اللاتي تمكن من مغادرة بيوتهن يعشن في ملاجئ، ويواجهن مستقبلًا قاتماً. لقد قابلت بعض النساء اللواتي ناضلن في البداية، لكن بفضل الدعم من عائلاتهن والمنظمات غير الحكومية، استطعن ​​الوقوف على أقدامهن.

يجب تغيير الأعراف الاجتماعية والسلوكيات وإصلاح القوانين والتشريعات ليتسنى للأردن والشرق الأوسط بصورة عامة الوقوف أمام العنف القائم على النوع، وعلى الأمهات تعليم أبنائهن أنه من غير المقبول إيذاء النساء، وربما الأهم من ذلك، هو أن تسعى المرأة بكل جد نحو الاستقلال المالي أو على الأقل الحصول على وظيفة للمساعدة في إعالة نفسها وحتى ذلك الحين، ستظل الحالات المأساوية مثل حالة إيمان إرشيد شائعة جدًا.

 

سها المعايه صحفية مقيمة في عمان – الأردن، وقد نُشرت أعمالها في مجلة ” فورين بولسي” و ” سي تي سي سينتنل”،  كما تكتب تقارير لصحيفة وول ستريت جورنال ومنشورات أخرى عن الأردن وجنوب سوريا.