حان الوقت لمواجهة الحقيقة وإعادة تنظيم مسألة الملاحة

جوناثان جرونال

AFP Photo: Joe Raedle

نحن هنا نتحدث عن كثافة حركة الملاحة الدولية، المتمثلة في الأمثلة البسيطة، التي تظهر على مواقع تتبُع الملاحة الدولية على شبكة الإنترنت، حيث تظهر الأساطيل البحرية الضخمة باستمرار، وهي تجوب العالم، والتي تظهر ككتل عملاقة، من يراها يعتقد أنها مساحات شاسعة من الأراضي لم تُكتشف بعد، والواقع أن تلك الصورة هي صورة مُخادِعة، وكما أشار المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخرًا “لو أنه من الممكن أن تكون الملاحة في صورة دولة؛ فستكون سادس أكبر مصدر لغازات الاحتباس الحراري على مستوى العالم”.

والآن هناك تقرير صادر عن “البحار في خطر”؛ وهو تحالف من المنظمات غير الحكومية المعنية بالبيئة؛ سلّط الضوء على التهديد الذي تمثله تلك الصناعة – كما اقترح حلًا بسيطًا للغاية، وحسب التقرير فإن الحل يتمثل في إبطاء السفن لسرعتها، وأن تقليل السرعة بنسبة 20% سيؤدي إلى تقليل الانبعاثات بنسبة 34%.

والمشكلة في هذا الحل السريع، الذي يعتمد على إبطاء السرعة، هي أنه حتى إذا اقتنع أقطاب القطاع الصناعي الذين يتنافسون لتلبية المطالب على مستوى العالم، فإن أية مكاسب سوف تتلاشى، بفعل النمو الذي تشهده التجارة.

وكل شخص منا له مصلحة خاصة، في واحدة على الأقل من تلك السفن التي تجوب البحار، والتي تحمل النفط والسيارات ولعب الأطفال والأقمشة، أو أيًا من الأشياء التي نرغب فيها، ونشتريها من شركة أمازون، بغير أن نفكر؛ كيف لتلك البضائع أن تعبر إلى الجانب الآخر من العالم لتصل إلينا.

ولا توجد منطقة في العالم، تعتمد على طوق النجاة هذا أكثر من شبه الجزيرة العربية، ومن خلال نظرة فاحصة على المنطقة، عبر المواقع الإلكترونية المعنية بتعقُب حركة الملاحة البحرية، وكذا بالنظر لحجم الأساطيل التي تبحر من وإلى كبرى موانئ الحاويات جدة والفجيرة ودبي، ستتضح لنا الأمور بشكل واقعي.

والواقع أن قائمة أكبر 20 ميناء خاص بالحاويات على مستوى العالم، لا تكشف لنا فقط عن منشأ البضائع التي نشتريها، وإنما تكشف أيضًا عن اتجاه تلك البضائع وإلى أين تذهب، وهناك 9 من أصل 10 موانئ للحاويات ازدحامًا على مستوى العالم توجد في شرق وجنوب شرق آسيا. والصين التي تعُد مصنع العالم، تستولي وحدها على 25% من حركة الملاحة البحرية على مستوى العالم، وهناك ميناء واحد في قائمة أكبر 10 موانئ على مستوى العالم، لا يوجد في الصين أو سنغافورة أو كوريا الجنوبية، وهو ميناء دبي، وهو المركز الرئيسي لموانئ الحاويات على مستوى المنطقة، وهو يعُد أكثر ازدحامًا من موانئ أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

ومنطقة الشرق الأوسط تبذل جهودًا فوق طاقتها، للحفاظ على حركة التجارة الدولية، كما تساهم تلك المنطقة بقوة، في دعم التهديد الذي تمثله الملاحة البحرية، فيما يخُص التغير المناخي، مما يضيف عبئًا بيئيًا جديدًا لأعباء المنطقة، والذي يتمثل في الطلب المتزايد على الكهرباء ومياه البحر المُحلّاة.

ويمكن للأفراد القيام بترشيد استهلاك المياه، وتقليل استهلاك الكهرباء، كما يمكنهم استخدام المواصلات العامة، لكن في الدول، التي يصل أكثر من 95% من بضائعها عبر البحر، هناك القليل الذي يمكن لنا أن نفعله كأفراد لتقليل الآثار البيئية المتزايدة، والناجمة عن الملاحة البحرية.

ووفقًا للمنتدى الدولي للنقل، وهو عبارة عن منظمة حكومية دولية، فإن حركة الملاحة البحرية في العام 2012 أدت إلى إنتاج 938 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون – وهو ما يعادل 2.6% من مجموع الانبعاثات على مستوى العالم، لكن بحلول العام 2050، سوف تزيد تلك الانبعاثات بنسبة 250% “إذا لم يتم اتخاذ خطوات جذرية لحل تلك المشكلة”.

إن الطلب العالمي اللامتناهي على “البضائع”، ينعكس على نمو حركة الملاحة البحرية، وقد شهد العام 1970 نقل 2605 طن من البضائع فقط عبر الملاحة البحرية، أتت في صورة حاويات وناقلات بضائع وناقلات نفط، تحمل النفط والغاز والمواد الكيميائية، وبحلول العام 2018 تزايدت تلك النسبة أربعة أضعاف لتصل إلى 11.005 طن.

والواقع أن الكشف عن الرقم الإجمالي الضخم سيكون من الأهمية بمكان، فبين العام 1970 والعام 2018 زادت حركة ناقلات النفط بنسبة 121%، من 1440 مليون طن لتصل إلى 3194 مليون طن، ولو أن هذا الأمر يبدو مدهشًا بالنسبة لك، الا انه يمكن مقارنته بحركة البضائع الجافة، خاصة التي تنقلها الحاويات، والتي زادت في نفس الفترة بنسبة 541%، من 717 مليون طن لتصل إلى 4601 مليون طن.

وبمعنى آخر، فإن الاستهلاك بات يتجاوز حتى نهمنا الذي لا يتوقف بالوقود الحفري، وبالطبع فإن التجارة الدولية، التي تعُد بمثابة ميزة نسبية لكل دولة، في حد ذاتها تعُد قوة اقتصادية، والمسألة تتعلق بكيفية تقليل كلفة الانبعاثات الناتجة عن تلك العملية.

والواقع أن صناعة النقل البحري قامت ببعض المحاولات لتقليل تلك الانبعاثات، ففي العام 2018 استقرت المنظمة البحرية الدولية على تحديد نسبة الانبعاثات الناتجة عن الملاحة البحرية، ووضعت هدفًا يتمثّل في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 50% على الأقل بحلول العام 2050، مقارنة بنسبة تلك الانبعاثات في العام 2008.

وهذا مطلب صعب للغاية، فخلال مؤتمر التنمية المستدامة الخاص بالمنظمة البحرية الدولية، والذي عُقِد في جدة هذا الشهر، أوضح جون كاليا كبير خبراء التلوث في المنظمة أن تقليل سرعة السفن، أو أية إجراءات سطحية تخص التشغيل هي خطوات غير كافية، ولأجل تقليل الانبعاثات بصورة كبيرة؛ فإن “القائمين على تلك الصناعة يجب أن يبحثوا عن مصادر وقود بديلة”.

أما نسبة ال50% التي تم تحديدها كهدف لتقليل الانبعاثات، فقد تم التوصُل إليها عبر تسوية تمت مع الدول المنتجة للنفط، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية والبرازيل، وهي الدول التي رفضت التوقيع على اقتراح مبدأي بتقليل تلك الانبعاثات بنسبة 70%.

وقد نجحت المنظمة البحرية الدولية في إجراء تغيير واحد، هو وضع حد لانبعاثات أكسيد الكبريت، وهو ينتج عن حرق النفط الثقيل، وله أضرار شديدة على صحة الإنسان، كما يتسبب في زيادة حموضة المحيطات، وهذا القانون الجديد، الذي يدخل حيز التنفيذ في الأول من يناير، يعني أن السفن بات عليها استخدام نوع مختلف من الوقود.

ووفقًا لتقرير صادر عن محللين في مجال الطاقة بشركة “إس آند بي جلوبال بلاتس”، فإن المملكة العربية السعودية ستحصل على منافع، على المدى القصير، جرّاء التحول إلى استخدام الوقود الخفيف الحلو، ومن المتوقع زيادة الطلب على هذا النوع من الوقود، لكن التقرير أضاف أن “لوائح تنظيم عملية الانبعاثات أيًا كان نوعها، ترمي إلى تسريع عملية التخلي عن النفط على المدى الطويل، وهي العملية التي لا تدخل في اهتمامات المملكة العربية السعودية خلال الوقت الحالي”.

وإذا ما ترددت القوى الكبرى المنتجة للنفط لوقت طويل، قبل الإقدام على تطوير تلك البدائل، فإن النفط الذي كان سببًا في ثروات العرب، من الممكن أن يتحول، من نعمة إلى لعنة، في عالم بات يتسم بالوعي البيئي.

وقد قام المنتدى الدولي للنقل بطرح مبادرات غير عملية، من أجل جعل صناعة الملاحة البحرية صناعة صديقة للبيئة، وبالإضافة إلى تقليل سرعة السفن، فقد دعا المنتدى إلى البحث عن تطوير بدائل للوقود بشكل سريع، مثل الأمونيا والهيدروجين، واللجوء للطاقة المتجددة، بما فيها طاقة الرياح كعامل مساعد، والطاقة الناتجة عن الدفع الكهربائي.

وبمعنى آخر، فإن تقليل سرعة السفن هو فقط جزء من الإجابة، لكن في مجال الملاحة البحرية، شأنه شأن جميع مجالات الطاقة، فإن تسريع عملية استجابة الدول المنتجة للنفط على مستوى العالم، لتلك الأزمة التي تهددنا جميعًا، تعُد التحدي الأكبر في معركتنا لمواجهة التغير المناخي.

جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا بمجلة “تايم”، وقد أقام وعمل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.

يمكن لك تحميل صورة عالية الدقةللمؤلف عبر موقعنا