حان الوقت لرد جميع الكنوز الأثرية إلى أصحابها الأصليين

جوناثان جرونال

AFP Photo: Khaled Desouki

في الشهر المقبل، سيصل معرض يضم 150 قطعة أثرية من مقبرة توت عنخ آمون إلى لندن، وهي ثالث محطة للمعرض له ضمن جولة تشمل عشر “10” مدن، وكان هذا المعرض قد حطم أرقام شباك التذاكر في لوس أنجلوس وباريس.

وأسر هذا الملك الصبي مخيلة الغربيين منذ اكتشاف مقبرته في نوفمبر عام 1922، غير أن هذه الجولة، كما أوضحت وزارة الآثار المصرية، هي جولة وداع. ولم يسبق أن غادر ستون قطعة أثرية مصر قبل ذلك، ولن تغادر أيٌ منها مرة أخرى أبدًا. وبعد انتهاء الجولة في عام 2021، ومع نهاية العام 2021، ستكون جميع القطع الأثرية التي قُبرت مع توت عنخ آمون منذ أكثر من 3300 عام جميعها في مكان واحد، وذلك لأول مرة منذ أن اكتشفها عالم الآثار البريطاني “هوارد كارتر” في وادي الملوك. ومنذ ذلك الحين، وبحق، فإن المكان الوحيد لرؤية تلك الآثار هي مصر، في المتحف المصري الكبير المذهل، والذي من المقرر افتتاحه في العام المقبل.

ومن المتوقع أن يجذب المفتح المصري الكبير أكثر من خمسة ملايين زائر سنويًا، بالإضافة إلى استضافة عشرات الآلاف من الكنوز الأثرية في مصر، على أمل أن يساعد المتحف أيضًا في تنشيط الاقتصاد المصري من خلال جذب السياح الذين رحلوا عن مصر خلال سنوات الإرهاب والثورة.

وسيشهد العام المقبل، والمقرر فيه افتتاح المتحف المصري الكبير، إحياء النقاش حول مئات الآلاف من القطع الأثرية المصرية القديمة الأخرى والتي تقبع في متاحف العالم، وتثري اقتصادات المدن البعيدة عن القاهرة. إن الآثار المصرية المنتشرة في جميع أنحاء العالم أكثر بكثير مما يمكن العثور عليه في أرض مصر. ومع افتتاح أكبر متحف أثري في العالم، والمؤمن بأحدث وسائل الحماية والخبرات، ألم يحن الوقت الآن لاستعادة تلك الآثار؟

يمثل الحفاظ على كنوز توت عنخ آمون انتصارًا نادرًا لمصر في وقت نُهب فيه تراثها من قبل أي غربي ثري تواق للآثار، غير أن النصر لم يكن كاملاً كما بدا.

وفي العصر الحديث، خاضت مصر معركة طويلة وناجحة جزئياً فقط من أجل إعادة الآثار المأخوذة منها بموجب شروط وضعها الاستعماريون أنفسهم والذين جردوا تراث البلاد لصالح المتاحف في أمريكا وأوروبا – ومنهم رجال أمثال “هوارد كارتر” وصديقه اللورد “كارنارفون”. وفي الوقت الذي عثر فيه “كارتر” وصديقه “كارنافون” على توت عنخ آمون، كان الاثنان قد حققا بالفعل ثروة على حساب مصر. وكما جاء في الكتاب الصادر عام 1978، والذي كشف خلفية كارتر القاسية إلى حد ما، كان كبير المفتشين السابقين لدى هيئة الآثار المصرية أيضًا تاجر اثار كبير، ويعمل بنظام العمولة لصالح جامعي الآثار مثل اللورد كارنارفون.

وكما كشف “توماس هوفينج”، المدير السابق لمتحف الميتروبوليتان للفنون في نيويورك، في كتابه توت عنخ آمون: القصة المسكوت عنها، تعاون الرجلان مع “توماس”، والذي منحهما خبرته على أمل الحصول على بعض من كنوز توت عنخ آمون. وبين عامي 1917 و1922، دفع المتحف إلى “كارتر” “256,000” دولار أمريكي مقابل 225 قطعة من المجوهرات وأشياء أخرى من مقابر تحتوي على رفات ثلاث أميرات من عائلة تحتمس الثالث.

وفي أوائل القرن العشرين، لم تكن لمصر، والتي كانت تحت الاحتلال البريطاني منذ عام 1882، السيادة على تراثها. وكجزء من الوفاق الجديد بين الأعداء القدامى، بريطانيا وفرنسا، منح البريطانيون الفرنسيين “سيطرة حصرية على جميع المسائل المتعلقة بالآثار نيابة عن الحكومة المصرية”. ونتيجة لذلك، كما دون “هوفينج” في كتابه، فإن أي شخص “غني ويقظ بما فيه الكفاية لإيجاد “مدخل” إلى الفرنسي المناسب الموجود في هيئة الآثار، يمكنه الحصول على رخصة تصدير – وهو ما فعله اللورد كارنارفون.

وبعد ثلاث سنوات من وفاته في عام 1923، باعت أسرة “هوفينج” – بمساعدة كارتر – مجموعة من الآثار المصرية إلى متحف المتروبوليتان مقابل 216000 دولار أمريكي. ومن بين الآثار، كانت ثمة قطع من قبر توت عنخ آمون. وفي عام 1978، كشف “هوفينج”، مدير متحف المتروبوليتان من عام 1967 إلى عام 1977، في كتابه، عن أن كارنارفون وكارتر تقاسما بعض كنوز المقبرة سراً، وأن 17 قطعة على الأقل “وصلت في نهاية المطاف إلى متحف المتروبوليتان للفنون”. لقد مضى22 عامًا أخرى قبل أن يقوم المتحف بالشيء الصحيح، حيث أعلن في عام 2010 أنه كان يتعين اعادة القطع الأثرية المنهوبة الى الوطن والتي قد سلبت منه بالمخالفة لأحكام القانون المصري والذي يقضي بعدم خروج تلك الآثار من البلاد.

ومازالت معركة مصر لإعادة السيطرة على تراثها مستمرة إلى يومنا هذا. وفي عام 1988، ثمة محاولة لاستعادة القطع الأخرى من مزرعة كارنارفون، والتي “اكتشفها أحفاده في مخزن في قلعة “هايكلير”، موطن الأجداد في إنجلترا من سلالة كارنارفون، وأصبح الأمر معروفًا لملايين مشاهدي التلفزيون حول العالم من خلال متابعتهم للمسلسل الأسطوري “دير داونتون”. وأصرت العائلة على أن القطع الأثرية والبالغ عددها “300” قطعة قد حصلا عليها “كارنارفون” و”كارتر” بصورة قانونية في السنوات التي سبقت اكتشافهما قبر توت عنخ آمون. ونفت الحكومة المصرية أن يكون هناك اتفاق يسمح لـ”كارنارفون” بالاحتفاظ بنصف كل ما اكتشف. ولا تزال القطع الأثرية تشكل جوهر المعرض المصري الشهير في قلعة “هايكلير”.

وفي يوليو / تموز، أعلنت الحكومة المصرية أنها ستقاضي “كريستيز”، دار المزادات الدولية، بسبب بيع رأس توت عنخ آمون البالغة من العمر “3000” عام نظير “6” ستة ملايين دولار أمريكي، وهي الرأس التي لم يتم تتبع مصدرها إلا خلال فترة السبعينيات فقط، وتقول مصر أن الرأس مسروقة من معبد الكرنك. وتصر “كريستيز” على أنها “بذلت جهود مضنية للتحقق من مصدر الرأس وملكيتها القانونية”.

وفي عام 2017، أنفق متحف المتروبوليتان أربعة “4” ملايين دولار أمريكي على تابوت ذهبي عمره ألفي عام، ولكن في سبتمبر من هذا العام، اضطر المتحف إلى إعادة التابوت إلى وطنه بعد أن تبين أن التابوت مسروق أثناء الثورة المصرية.

ومن مكانه في أرض الجيزة والتي كانت أرضًا مقدسة يومًا ما، وعلى مرمى البصر من الأهرامات غرب القاهرة، وعلى مقربة من البوابة السياحية الجديدة المصممة خصيصًا لهذا الغرض، وهي مطار سفنكس الدولي، فإن المتحف المصري الكبير مؤهل بشكل أفضل من أي مكان آخر في العالم لاستضافة كنوز مصر القديمة المتميزة. وفي الوقت الذي تعترف فيه الحكومات في كل مكان بأخطائها في الماضي وتعتذر عنها، بدءًا من فترة العبودية إلى الاستعمار، فقد حان الوقت بالتأكيد لمتاحف العالم، والتي شيدت مجموعاتها الأثرية من غنائم القراصنة الاستعماريين، للتخلي عن الكنوز التي لا يحق لهم أخلاقيًا المطالبة بها.