لقد حان الوقت لرأب الصدع من أجل إنقاذ العلاقات التركية الأمريكية

عمر تاسبينار

AFP Photo: courtesy of Turkish Defense Ministry

رغم التحذيرات المتوالية من واشنطن إلا أن أنقرة قد استقبلت مؤخرا شحنة من نظام الدفاع الجوي الروسي.وصارت وصار الجميع يترقب ردة فعلالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ففي الثلاثاء الماضي فعل ما كان متوقعا وقام بإيقاف عمليات بيع الطائرة الشبح المقاتلة إف 35 إلى أنقرة.ولا تزال آمال الحكومة التركية معلقة علي الرئيس الأمريكي حتى يستخدم حق الفيتو المخول له ليمنع توقيع أية جزاءات من قبل الكونجرس الأمريكي على تركيا،لشرائها معدات عسكرية من الروس. ومع ذلك فإنه من الحكمة أن تتوقعتركيا الأسوأوتحضر نفسها للعقوبات الأمريكية.

وعلى هامش لقاءه بنظيره التركي، رجب طيب أردوغان، بقمة مجموعة العشرين التي انعقدت في أوساكا مطلع هذا الشهر كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد ألقي باللوم في إحداث تلك الفوضى بخصوص عملية بيع الصواريخ الدفاعية على إدارة سلفه، الرئيس أوباما. غير أن ذلك لا يغير من حقيقة أن المرحلة الحالية قد تؤدي إلى حدوث أسوأ خلاف قد ينشب بين واشنطن وأحد الحلفاء الرئيسيين للناتو منذ عام 1966 عندما سحب شارل ديجول قوات الجيش الفرنسي خارج الحلف. ورغم رسائل ترامب المتضاربة فإنه لم تكن هنالك ثمة مفاجئة فيما حدث من قبل وزارة الدفاع الأمريكية بنتاجون من إقصائها لتركيا من البرنامج المشترك لتصنيع المقاتلة الجوية f35والتي تعد بمثابة درة التاج بالنسبة للإستراتيجية الجوية الأمريكية الحالية.

وقد أوضح المسؤولين الأمريكيين صراحة أن الجيل القادم من الطائرة لن يوجد في ذات النطاق الجغرافي بالتوازي مع وجود نظام دفاعي صاروخي صمم خصيصا لاستهدافها ويوجد بذات المكان.

وزارة الدفاع الأمريكية ينتابها قلق واضح حيال الرادار المتقدم الذي تتمتع به منظومة الدفاع الصاروخية الروسية إس400 وقدرته على جمع بيانات دقيقة للطائرة الأمريكية. ولا يزال القادة بوزارة الدفاع الأمريكية غير مقتنعين بما جاءت به التأكيدات التركية عن الاحتفاظ بكل منهما في موقع منفصل بعيدا تماما عن الآخر. وقد جاءت الرسالة الأمريكية لتركيا بهذا الخصوص في 2018 لتؤكد لتركيا بأنه (يمكنها أن تمتلك النظام الصاروخي إس400 أو الطائرة المقاتلة إف 35 لكن لا يمكنها أن تحوز كلتيهما).

ومع ذلك فإنه يبدو أن أنقرة قد وافقت فعلا أن تتخلي عن امتلاكها للمقاتلة إف35 –وتعد تلك بمثابة خسارة كبيرة للبلاد خاصة وأنها كانت جزءا من سلسلة إنتاج الطائرة منذ بداية برنامج تصنيعها. ولقد كانت أنقرة على وشك استقبال 100 مقاتلة والتي من شانها ان تشكل نقلة نوعية بالنسبة لأسطولها المتهالك من طائرات اف 16. وبغض النظر عما حدث بشأن طائرات إف 35 إلا أن ما يشغل بال أنقرة بشكل أكبر في الوقت الحالي هو احتمالية اتخاذ تدابير عقابية إضافية ضدها.

وبموجب قانون العقوبات الرادع لأعداء أمريكا ((CAATSAوالذي أصدره الكونجرسفي 2017، والذي ينص على أن أي فرد أو كيان يدخل في “معاملات كبيرة” مع وزارة الدفاع أو أجهزة المخابرات الروسية سوف يتعرض لحزمة من الجزاءات أشدها صرامة سيكون القضاء على تواجد الكيانات التركية داخل المؤسسات المالية الأمريكية ويظهر أثر ذلك بفاعلية في استحالة جمع أنقرة للأموال من المقرضين والمستثمرين الدوليين. بينما ستكون الآثار أخف وطأة بالنسبة للأفراد حيث سيتم رفض استخراج فيزا للولايات المتحدة بالنسبة لهم كذلك سيتم تجميد أرصدتهم البنكية إلى جانب حظر التعامل البنكي وعمليات تبادل العملة الأجنبية معهم.

وحيث أنه لم تصدر بعد أية قرارات مالية، فإنه يبدو أن الكونجرس سيعتنق منهجا وسطا بتوقيعه جزاءات معينة من شأنها أن تنال من النشاط الصناعي الدفاعي لتركيا.

ورغم ذلك فإن الكونجرس الأمريكي سيمارس ضغوطا قوية علي الرئيس الأمريكي لأجل توقيع العقوبات على تركيا بشكل كامل. ففي يونيو الماضي أصدر مجلس النواب الأمريكي قرارا بالإجماع يدعو فيه إدارة ترامب إلى تطبيق تلك العقوبات على أردوغان إذا لم يغير الأخير موقفه تجاه امتلاك منظومة الصواريخ الدفاعية إس400. ووفقا لما جاء به روبرت مينينديز أقدم النواب الديمقراطيين بلجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ من أن ” القانون واضح تماما ولا يكتنفه أي غموض ” وقد حذر من أن العقوبات يمكنها أن تكون “وخيمة العواقب بالنسبة للاقتصاد التركي وكذلك الصناعات الدفاعية لديها “.

هذا وقد أصر وزير الدفاع التركي،خلوصي آكار، على أن شراء بلاده للمنظومة الصاروخية الدفاعية إس 400 لا يعني تغيرا في التوجه الإستراتيجي لتركيا. وهذا صحيح، حيث ترحب أنقرة بامتلاك المنظومة الصاروخية الأمريكية “باتريوت ” وهو الأمر الذي ربطته واشنطن بصرف تركيا النظر عن شراء الإس400. هذا وقد حمل ترامب بعضا من التعاطف تجاه الموقف التركي وألقي باللوم على إدارة أوباما لعدم عرضها بنودا أفضل على أنقرة أثناء المناقشات التي دارت بينهم.

أما بالنسبة للرئيس أردوغان، فمن الواضح أثناء لقاءه بترامب أن الأخير قد طمأنه بأن الولايات المتحدة لن توقع أية عقوبات، وحتى بفرض إن فعلت، فإن الرجل القابع بالمكتب البيضاوي لديه القدرة على تعطيلها أو حتى إيقافها جميعا. بيد أن الإرتكان إلى ترامب، الذي يتسم باندفاعه الشديد، لكي ينقذ تركيا من الكونجرس الأمريكي ليس سوي تصرف أرعن، ولكن سيكون الأمر أكثر حكمة بكثير إذا ما تم محاولة إقناع الولايات المتحدة بأن تكون أكثر تساهلا حتى تمكن الرئيس من حفظ ماء وجهه.

وعليه فإنه يتوجب على أردوغان أن يؤكد للكونجرس أن واشنطن لا ينبغي عليها أن تقلق حيال التحالف بين أنقرة وموسكو. ففي اليوم الذي بدأت تصل فيه منظومة إس 400 الصاروخية الروسية إلى أنقرة أعلن قادة كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي أن عملية الشراء تعد بمثابة “إشارة تبعث على القلق بخصوص تنسيق إستراتيجي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن “.

فعلي الرئيس أردوغان أن يقنع الأمريكان بأنها لم تكن تعني شيئا من هذا القبيل.

والحقيقة أن تركيا وروسيا مختلفتان تقريبا حول كل القضايا الإقليمية ذات الأهمية الإستراتيجية. فمن جزر البلقان وأوكرانيا إلى قبرص والصراع الأرمني الأذري مرورا بسوريا وليبيا ونهاية بمصر وإسرائيل، فلا توجد منطقة مشتركة واحدة يجتمع فيها الروس والأتراك كشركاء حقيقيين. فمنذ زمن ليس بالبعيد وتحديدا في نوفمبر 2015 أسقطت تركيا مقاتلة روسية فوق حدودها مع سوريا.

فالمواجهات العسكرية بين روسيا وتركيا يبدو أنها تقع خارج دائرة اهتمامات واشنطن. على أردوغان أيضا أن يوضح أن شراء نظام دفاعي صاروخي من الروس هو ثمن تعين دفعه لإرضاء موسكو وخاصة بعد التدخل العسكري التركي في الجزء الذي تسيطر عليه روسيا شمالي سوريا. ورسالة الرئيس التركي للكونجرس يجب أن تنطوي على تحذيرا متواريا بأن النيل من الاقتصاد التركي من شأنه أن يوقع ما يخشونه فيتحول التنسيق العسكري التكتيكي مع موسكو إعادة موائمة إستراتيجية.

فالعلاقات التركية الأمريكية على شفا أزمة تاريخية وكل من أردوغان وترامب إلى جانب الكونجرس الأمريكي يملكون الخيار، ما بين تصعيد الأزمة أو رأب الصدع، وباستخدام التفكير العقلاني، فسيكون هنالك وقت لراب الصدع.

عمر تاسبينار هو أحد كبار الزملاء بمعهد بروكينجز وأستاذ جامعي في إستراتيجية الأمن القومي بجامعة الدفاع الوطني بواشنطن