الوسيلة ليست هي الرسالة

جوناثان جرونال

AFP Forum: Loic Venance

في الوقت الذي يكافح فيه العالم لترويض “الهيدرا” متعددة الرؤوس وهي مواقع التواصل الاجتماعي، فإن قضية اعتقال امرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة بدعوى إهانة الزوجة الجديدة لطليقها على موقع التواصل “فيسبوك” تلقي الضوء على الارتباك الذي يقوض الجهود المبذولة للسيطرة على هذا الوحش.
تم القبض على “لاله شارافش”، البريطانية البالغة من العمر 55 عامًا، في دبي بعد الوصول إلى البلاد لحضور جنازة طليقها. وقضت شارافش وزوجها “18” عامًا في دبي، وبعد انفصالهما، عادت “شارافش” إلى المملكة المتحدة، بينما تزوج طليقها مرة أخرى، وفي عام 2016، ثمة مزاعم حول نشر “شارافش” تعليقًا مهينًا لزوجة طليقها.
وهنا تثار مشكلتان عندما ينتهك مواطن بريطاني قوانين دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث هاجمت منظمات تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، مثل منظمة “محتجزون في دبي”، “الصرامة” المزعومة لقوانين البلاد و”عدم القدرة على التعرف عليها”، كما انتقدت المنظمة حكومة المملكة المتحدة لفشلها في تحذير مواطنيها من المخاطر التي يواجهونها.
وتلك حماقة واضحة. فالنظام القانوني لدولة الإمارات العربية المتحدة هو نظام خاص بذاته، ومقارنتها بشكل غير ملائم مع النظام القضائي في بريطانيا، أو في أي دولة أخرى، يمثل نوعًا من الغطرسة لما بعد الاستعمار. وفي الواقع، فإن الوصول إلى أي بلد مع التوقع بأن يتم تطبيق نفس قواعد السلوكيات الاجتماعية التي تجلبها معك هو شكل من أشكال الإمبريالية الثقافية الصارخة.
علاوة على ذلك، فإن الجهل بالقانون ليس عذرًا في أي نظام قانوني – بما في ذلك النظام البريطاني. ولهذا، يجب على أي زائر لبلد آخر أن يتعرف على قوانين هذا البلد، ولهذا الغرض، تنشر وزارة الخارجية وشئون والكومنولث نصائح مستفيضة عبر الإنترنت. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تحذر وزارة الخارجية وشئون الكومنولث من أن “القوانين والأعراف تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك الموجودة في المملكة المتحدة”، ويجب على الزائرين “احترام التقاليد والعادات والقوانين والأديان المحلية”، و”قد تكون ثمة عقوبات شديدة على فعل أشياء ربما تكون قانونية في المملكة المتحدة”.
وتضيف وزارة الخارجية، إن “الإيماءات القاسية والوقحة (بما في ذلك عبر الإنترنت) هي من الأفعال الفاحشة”، في حين أن “نشر مواد تنتقد الأفراد يمكن اعتبارها جريمة”.
وهنا يكمن الحل لمراقبة عالم الإنترنت، والمشكلة ليست في التكنولوجيا، فالمشكلة، كما كانت دائما وستظل كذلك، هي البشر – أو الطبيعة البشرية. وسيظل دومًا ثمة أناس على استعداد لمخافة الأعراف الاجتماعية.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، كما هو الحال في العديد من الدول الأخرى، من غير المقبول إهانة الغير أو الإساءة إليه، سواء كانت الإساءة بشكل مباشر أو عبر وسيلة ما كالإنترنت. وليست قضيت “شارافش” هي الأولى من نوعها التي يخالف فيها أحد الوافدين القوانين الإماراتية المعنية بتنظيم السلوك الشخصي.
ففي العام الماضي، احتجزت السلطات الإماراتية أمريكيًا يبلغ من العمر 44 عامًا لاستخدامه كلمة مهينة في أحد منشوراته على “انستجرام” بخصوص طليقته، واعتُقل بريطاني يبلغ من العمر 29 عامًا بعد إرسال رسالة عبر تطبيق “وات ساب” يتهم فيها أحد تجار السيارات بالاحتيال.
فالوسيلة إذاً غير مسؤولة سواء في تلك الحالة أو عندما يقوم شخص ما بنشر مواد عنصرية أو فاحشة، أو التشهير بمستخدم آخر أو إهانته. ومن غير المنطقي أكثر تقييد برامج “تويتر” أو “فيس بوك” للحيلولة دون استخدامها بشكل خاطئ من جانب الأفراد المخطئين، بدلاً من مهاجمة صناعة نشر الكتب بأكملها لمنع نشر كتاب “كفاحي” لأدولف هتلر.
وبالمثل، فإن إلقاء المسؤولية على أي وسيلة للحيلولة دون إساءة استخدامها فيه إغفال للمشكلة الحقيقية. ولا يمكن لأحد أن يقترح إغلاق خدمة بريدية وطنية لأنها كانت تُستخدم في إرسال رسائل ذات طابع تهديدي. وبدلاً من ذلك، يجب القبض على مرسل تلك الرسائل وتوجيه الاتهام إليه تباعًا.
وفي المملكة العربية السعودية، حيث الاستخدام المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي، أوضحت الحكومة أن القواعد التي تنظم السلوك في العالم “الواقعي” تنطبق أيضًا على المجال الرقمي. وفي سبتمبر / أيلول، غرد مكتب المدعي العام قائلاً، إن “إنتاج المحتوى الذي يسخر من النظام العام والقيم الدينية والأخلاق العامة وتوزيعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي”، سيُعد جريمة.
وتشعر العديد من المجتمعات دون داعٍ بالمعاناة بخصوص مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا في تلك المجتمعات بالفعل قوانين تمنع القذف والتشهير والإيذاء العنصري والسلوك المهدد وما إلى ذلك، ويجب تطبيقها – كما كانت في الإمارات العربية المتحدة وأماكن أخرى – بغض النظر عن الوسيلة.
علاوة على ذلك، أعلنت الشركات ضمن شروط وأحكام استخدام جميع وسائل التواصل الاجتماعي وبوضوح عن كل ما تعتبره تلك الشركات سلوكًا غير مقبول. وينشر موقع التواصل “تويتر” عبارة، وهي :”نحن نؤمن بحرية التعبير والحوار المفتوح، ولكننا نحظر السلوك الذي يتجاوز الخط الفاصل إلى سوء المعاملة”. وبالمثل، يوضح موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أن المستخدمين لا يجوز لهم ارتكاب أو المشاركة في أي شيء “ينتهك حقوق الغير أو يخل بها، وأن يلعب مستخدمي الـفيسبوك دور في الحفاظ على التطبيق آمنًا.”
إن التحجج بـ”حرية التعبير” هي صرف للأذهان عن النقطة الأساسية – وهي أن إساءة المعاملة غير المقبولة اجتماعيًا هي إساءة غير مقبولة اجتماعيًا، بغض النظر عن الطريقة التي يختارها المرء لنشر تلك الإساءة.
والآن، يحتاج العالم، أكثر من أي وقت مضى، إلى خطاب عام مدني. وهل عدم التسامح مطلقًا مع من يفسدون الذوق العام، رقميًا أو غير ذلك، أمرًا سيئًا؟
ينتظر الشخص توقعات عالية وغير واقعية من وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك استنادًا إلى قدرتها المفترضة على تعريف الناس بعضهم ببعض، بغض النظر عن الحدود الثقافية أو السياسية أو المادية. والحقيقة هي أن العديد من الناس، الذين شجعهم عدم الكشف عن هويتهم أو المسافة الرقمية، أصبحوا أكثر غضبًا وعنصرية وسوءًا عبر الإنترنت، وما تجرؤا على هذا لو أن المعاملة كانت وجها لوجه.
وانتقد المحتجزون في دبي ما يُطلق عليه “قوانين الجرائم الإلكترونية القاسية وغير المحددة في دولة الإمارات العربية المتحدة”، ورغم ذلك، تقدم دبي هذه النصيحة القيمة للزائرين، وهي: “في الإمارات العربية المتحدة، وقبل أن تقول أي شيء عبر الإنترنت ، يجب أن تفكر فيما إذا كنت ستتمكن من قولها بأريحية أمام الشرطة أم لا”.
وفي عالم يكافح من أجل التأقلم مع وسائل التواصل الاجتماعي، فثمة نصيحة جيدة وهي أنه يجب علينا أن نبلي بلاء حسنًا ونقتدي به.
جونثان جورنال صحفي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من عمره في منطقة الشرق الأوسط وعمل فيها، ويقيم الآن في بريطانيا.
للحصول على صورة عالية الجودة للكاتب، يمكن تحميلها مه موقعنا.