إن التصويت الحاسم لعمدة اسطنبول ليس مجرد انتخاب عمدة بل إزالة منافس لأردوغان

فيصل اليافعي

AFP Photo: Yasin Akgul

بالنظر إلى أهمية المناظرات في الانتخابات، فقد كانت المناظرة ودية بشكل مدهش، وعلى العكس من الخلفية التي تتمتع بها اسطنبول، فإن المرشحين الاثنين لجولة الإعادة المقرر لها الأحد لاختيار عمدة المدينة، قاما بخوض مناظرة تليفزيونية الأحد الماضي استمرت لثلاث ساعات، وهي حالة نادرة بالنسبة لنظام انتخابي يعتمد بالأساس على الخطب المنمقة.

في طرف تلك المناظرة كان يوجد أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي فاز بالانتخابات التي جرت في مارس الماضي. وفي الطرف الآخر كان هناك بن علي يلدريم رئيس الوزراء السابق عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، لكن الشخص الذي لم يظهر في تلك المناظرة؛ بل أنه في الواقع غاب بشكل ملحوظ عن الحملة الانتخابية لبعض الأيام؛ هو رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي والمحرك الرئيسي وراء عملية إعادة الانتخابات في اسطنبول.

والواقع أن تلك الانتخابات تخص مستقبل أردوغان بشكل كبير، كما يمكن لها أن تقرر ما إذا كانت حقبة أردوغان كنجم لشباك التذاكر الخاص بالانتخابات قد انتهت، بل أن تلك الانتخابات ربما تكون حتى منصة لشخص ما يمكنه تحدي أردوغان فيما يتعلق بالرئاسة على مدار 4 سنوات، لذا فإن تلك الانتخابات المصيرية لا تهدف لمجرد انتخاب عمدة بل التخلص من منافس على رئاسة الجمهورية.

وجولة الإعادة المقرر لها الأحد تعد بمثابة انتخابات حيوية بالنسبة لتركيا، وقد قوبل قرار الهيئة التركية للانتخابات بتجريد إمام أوغلو من منصبه، بعد أسبوعين فقط بسبب مخالفات انتخابية، بالإدانة على نطاق واسع، وقال وزير الخارجية البلجيكي الأسبق وأحد الشخصيات البارزة في الاتحاد الأوربي حاليًا “جاي فيرهوفشتات” إن إلغاء الانتخابات يبرهن على أن تركيا “تندفع نحو الديكتاتورية”، وقد كانت هناك احتجاجات واسعة الانتشار على مستوى اسطنبول، ولو عاد إمام أوغلو كعمدة للمدينة ولم يجد حزب العدالة والتنمية وسيلة لإلغاء نتيجة الانتخابات؛ ربما يؤدي ذلك إلى تهدئة المخاوف الدولية بشأن الديمقراطية التركية، وحتى الآن فإن آليات الدولة تعمل ضد إمام أوغلو.

وقد كانت الانتخابات المحلية التي جرت في مارس بمثابة ضربة موجعة لأردوغان وحزبه، وعلى الرغم من أن تحالف أردوغان فاز بالأغلبية – 51% فقط من المقاعد – فقد خسر هذا التحالف في المناطق الحيوية، بما فيها العاصمة أنقرة ومدينة اسطنبول أكبر المدن التركية، وأردوغان ليس الشخص الذي يمكنه أن يتقبل الخسارة بصورة عادية، وبعد الانتصار الهزيل الذي حققه إمام أوغلو فإن حزب العدالة والتنمية قد استخدم نفوذه الضخم من أجل إثارة البلبلة حول تلك الانتخابات، وقد تُوِجت تلك الجهود بقرار إعادة الانتخابات.

وقد كان هذا القرار سببًا للخلاف حتى داخل أروقة حزب العدالة والتنمية، وأحد مؤسسي الحزب وهو الرئيس السابق عبد الله جول ربما يترك الحزب بسبب تلك القضية، لكن على ما يبدو فإن الرئيس أردوغان لن يترك أكبر المدن تذهب من بين يديه دون قتال. وللتدليل على الأهمية الخاصة بتلك الانتخابات فقد أعلن حزب العدالة والتنمية أن أردوغان – القائد الوطني (تذكّر ذلك) – سوف يقوم بتنظيم 30 مسيرة على مستوى اسطنبول وحدها قبل الانتخابات، لكن بعد ذلك؛ وفي إشارة إلى انخفاض شعبيته بين الناخبين المترددين؛ فإن مُعظم تلك المسيرات لم تر النور، والرئيس أردوغان لم يقم بإلقاء خطاب بمسيرة في المدينة على مدار أسبوعين تقريبًا، على الرغم من أن التصويت بات على مقربة أيام معدودة.

ولو أن الرئيس قرر التنحي جانبًا؛ فإن هذا سيؤدي إلى انقسام جديد. وفي محاولة صريحة للهيمنة على الناخبين الأكراد الذين يمثلون نحو 20% من المدينة؛ تم السماح للقائد المقاتل السجين عبد الله أوجلان بلقاء محاميه الشهر الماضي، وذلك للمرة الأولى على مدار 8 أعوام – وهو القرار الذي لا يمكن أن يأتي سوى عبر أعلى الدوائر السياسية التركية، ومن حينها قام أوجلان بإصدار بيانين، لا يتعلق أيًا منهما بانتخابات اسطنبول، لكن إذا ما نظرنا إلى البيانين معًا سنعرف أن الباب ربما يظل مفتوحًا أمام أوجلان للعودة إلى الحياة العامة، أو أن أردوغان ربما يفكر في تبنّي أسلوب الاسترضاء خلال التعامل مع الأقلية الكردية.

والواقع أن ذلك كفيل باستعادة بعض الأصوات الكردية، لكن تلك الانتخابات قد أدت إلى انقسام بين الأكراد، كما أدت إلى انقسام بين مواطني اسطنبول. ويوم الثلاثاء قام أحد الساسة الأكراد من المسجونين صلاح الدين دميرطاش القائد السابق لحزب الشعب الديمقراطي المحسوب على الأكراد؛ بتاييد خلف أكرم إمام أوغلو.

ومهما كانت نتيجة انتخابات يوم الأحد؛ فإن تلك الانتخابات قد أثبتت أن هناك انقسامًا هائلًا، لكنها أيضًا توفر لنا إشارة لما يمكن أن تشهده السياسة التركية لاحقًا. ولو أن يلدريم فاز بتلك الانتخابات؛ فإن غياب الرئيس خلال المراحل النهائية من الانتخابات – على العكس من ظهوره بشكل لافت خلال انتخابات مارس – يعني أن أردوغان لم يعد يملك السطوة التي اعتادها، والتي تتخطى قاعدته إلى شرائح أخرى. ولو فاز إمام أوغلو؛ فإن تلك الحملة الانتخابية التي يسودها الشقاق ستؤدي إلى تحسين وضع اوغلو، كما أنها ستوفر للمعارضة فرصة قوية لخوض انتخابات غالبًا تمت سرقتها، لكنها عادت في النهاية كي يقرر الناخبين مصيرها، وتلك في الحقيقة هي الرسالة التي أرادت حملة إمام أوغلو توصيلها – وهي أن انتخابات الأحد هي بمثابة اختبار ليس لأوغلو فقط ولكن للديمقراطية التركية برمتها، وقد قام أوغلو بإدارة تلك الحملة كحملة انتخابية وطنية، وقام بوضع نظرة متفائلة للمستقبل، كما قا بزيارة المساجد في المناطق التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية.

وتلك هي نوعية الرسالة التي يمكن لمنافس أردوغان على الانتخابات الرئاسية 2023 توصيلها – كما أن رئاسة بلدية اسطنبول تعد منصة لدعم الساسة من أجل الحصول على اعتراف بهم على المستوى القومي، وهذا بالتحديد هو ما حدث مع أردوغان خلال التسعينات من القرن الماضي، والسنوات الأربعة التي قضاها أردوغان كعمدة لمدينة اسطنبول كانت بمثابة قاعدة انطلاق للرجل كي يصعد إلى سدة الحكم، وكانت بمثابة المختبر الذي قام من خلاله بوضع السياسة النفعية، وتقديم نفسه على أنه مسئول الإسلام العقلاني وهي العوامل التي دفعت به إلى منصب الرئاسة.

ولا يوجد شخص يدرك أكثر من أردوغان القوة التي يمكن اكتسابها من الحصول على منصب عمدة اسطنبول، ويبدو أن أردوغان مصمم على منع أي منافس من الحصول على تلك الميزة – خاصة إذا ما كان هذا المنافس يستطيع تعبئة الموارد الهائلة لحزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي. ويوم الأحد مساءً سنعرف إذا ما كان أردوغان قد فعل ما فيه الكفاية لمنع تلك العملية ام لا.