ياد فاشيم الإسرائيلية: المداولات يجب أن تصبح التخليد الحقيقي للذكرى

جوزيف دانا

AFP photo: Menahem Kahana

سياسة تخليد الذكرى ليست بالأمر الهين على الإطلاق، حتى لو تعلّق الأمر بأكثر الأحداث فظاعة على مدار القرن العشرين: الهولوكوست، والنصب التذكاري ياد فاشيم الخاص بالهولوكوست يعُد واحدًا من المواقع المقدسة على مستوى إسرائيل، وهو أيضًا مثار خلاف شديد حول كيفية استخدام إسرائيل لهذا الحدث (المحرقة النازية) من أجل تقويم سلوكها، وما أثار هذا الخلاف من جديد هو تعيين شخصية سياسية شهيرة من اليمين المتطرف لقيادة مؤسسة ياد فاشيم (المؤسسة المعنية بتوثيق أحداث الهولوكوست)، لكن تلك المسألة أصابها خطأ في تقدير ماهيتها، وفي نهاية الأمر وسواء أدرك الإسرائيليون هذا الأمر من عدمه فتلك ليست المرة الأولى التي تشهد استغلال ذكرى الهولوكوست خلال المناقشات السياسية، والواقع أن تلك المسألة أثارت تساؤلات جوهرية حول وضع إسرائيل اليوم.

وتقع مؤسسة ياد فاشيم بمنطقة هادئة على تل بضواحي القدس، والمعرض الرئيسي داخل المؤسسة يشتمل على ممرات توجد بها مشاعل إضاءة باهتة، وأماكن محددة تحتوي على آثار تصف الإبادة الجماعية التي ارتكبها النازي وراح ضحيتها ستة ملايين يهودي، وتلك التجربة كانت مروعة ومثيرة للقلق، وفي نهاية المتحف توجد جدران ممتدة تخرج بالزائرين إلى منطقة واسعة مفتوحة يمكن من خلالها رؤية تلال القدس.

ولم تكن تلك التجربة (متحف ياد فاشيم) من قبيل الصدفة وإنما تم الترتيب لها منذ البداية، حيث ينتقل الزائر عبر نماذج للأحياء اليهودية في أوروبا والتي تجسد الموت والدمار حتى ينتهي به المطاف إلى رؤية تلال القدس الدافئة، حيث ينتقل الزائر من الأسر إلى الحرية، والعنصر المفقود في تلك الرحلة الرائعة هو القرى الفلسطينية التي كانت منتشرة على ذات التلال لكن تم تهجير سكانها لإفساح الطريق أمام دولة إسرائيل.

لكن حتى هذا الأمر كان مقصودًا، فقد أتى هذا التصميم متماشيًا مع الجدل حول ياد فاشيم: هل أتى هذا المتحف بمثابة تذكِرة بالماضي أم أنه تبرير لقيام دولة إسرائيل على حساب الفلسطينيين؟، وقد جاء تعيين “إيفي إيتام” وهو الشخصية البارزة التابعة لليمين المتطرف في منصب مدير المتحف كإشارة على نوايا الحكومة الإسرائيلية فيما يخص تلك القضية.

في مطلع الألفية الثانية كان إيفي إيتام أحد الأصوات البارزة الداعية إلى طرد الفلسطينيين بشكل جماعي من الضفة الغربية، وكقائد للواء النخبة التابع للمشاة “جيفاتي” فقد تمت إدانة 4 من جنود “إيتام” بتهمة ضرب مواطن فلسطيني حتى الموت بناء على أوامر شخصية من إيتام، وإيتام أيضًا هو من مارس الضغوط من أجل منع المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل من ممارسة السياسة، والرجُل له تاريخ طويل بوصفه أحد أبرز الشخصيات الإسرائيلية العامة البغيضة.

وقد استنكرت الجماعات اليهودية والطبقة المثقفة في إسرائيل تعيين إيتام في هذا المنصب، وأعلنت أن هذا الأمر سيعمل على تقويض الرسالة التعليمية الحساسة التي تعمل مؤسسة ياد فاشيم على توصيلها، وقد أدلى “إسرائيل بارتال” أستاذ التاريخ اليهودي بالجامعة العبرية في القدس بتصريحات لصحيفة نيويورك تايمز قال فيها “إن معهدًا يرأسه شخص لديه تلك الآراء المتطرفة والقيم الإنسانية المثيرة للجدل لن يحظى بجدية التعامُل في الأوساط الأكاديمية الدولية”.

ويُنظر إلى مسألة تعيين إيتام في هذا المنصب على أنها تسييس للعملية التعليمية التي تتمتع بالحساسية، وكذا للعمل الأكاديمي الذي تقوم به مؤسسة ياد فاشيم، وهذا الأمر صحيح لكنه يفتقر لنقطة أخرى أكثر أهمية، فقد عملت إسرائيل على تسييس ياد فاشيم منذ اليوم الأول، وبدأت هذا الأمر عبر قرار بناء المؤسسة في القدس بمنطقة تطل على بقايا القرى الفلسطينية، حتى أن الأمر كانت له دلالات أعمق من ذلك.

والواقع أن المحطة الأولى التي يتوقف بها القادة الأجانب الذين يزورون إسرائيل هي مؤسسة ياد فاشيم، وهذا أمر أساسي لا يخضع للتغيير، وقد دأب القادة الموصوفين بالاستبداد مثل الرئيس المجري فيكتور أوربان ورئيس رواندا بول كاجامي على زيارة ياد فاشيم، وهذا الأخير تم توجيه اتهامات له بالمشاركة في الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا في العام 1994، ومن زعيم حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف هاينز كريستيان شتراخه إلى الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو فقد زار جميع قادة العالم الذين يتبعون اليمين المتطرف هذا النصب التذكاري، حتى أن بولسونارو كان قد أطلق دعابة خلال زيارته يصف فيها النازيون بأنهم يتبعون تيار اليسار، وفي العام 1976 قام رئيس وزراء جنوب أفريقيا بي جي فوستر بتلاوة نشيد باللغة الأفريكانية (لغة جنوب أفريقيا) أمام شعلة النصب التذكاري في المكان المخصص للصلاة بمؤسسة ياد فاشيم.

ومسألة انفتاح إسرائيل على الترحيب بتلك الشخصيات أثناء زيارة مثل هذا المكان الذي يبدو أنه مقدسًا؛ والذي تم تأسيسه لتعليم العالم حول فظائع العنصرية والإبادة الجماعية تثير الكثير من التساؤلات حول الهدف الحقيقي وراء إقامة هذا النصب التذكاري، وكيف يمكن لهذا النصب التذكاري الذي يمثل ضحايا فاشية اليمين المتطرف أن يصبح مكانًا شائعًا أمام اليمين المتطرف اليوم؟، والإجابة تكمن في كيفية إدراك القيادة الإسرائيلية لطبيعة العنصرية واليمين المتطرف.

وفيما يخص اليمين المتطرف الإسرائيلي ذاته؛ فإن العنصرية ومعاداة السامية لا تعُد أمورًا تتمتع بالأهمية طالما أن إسرائيل تحظى بالدعم، وبصورة أشمل نحن نتحدث عن دعم إسرائيل فيما يخص سياسات الاحتلال والهيمنة، وقد أدّى ارتفاع مستوى العداء للسامية إلى دق جرس الإنذار داخل المجتمعات اليهودية من الولايات المتحدة حتى المجر على مدار الأعوام الأربعة الماضية، والحكومة الإسرائيلية على وجه الخصوص لا تزال صامتة، عوضًا عن التركيز على مسألة معادة الصهيونية التي تتبع تيار اليسار وحركة مقاطعة إسرائيل التي يقودها الفلسطينيون، وانطلاقًا من هذا المنظور فإن تعيين “إيتام” مديرًا لمؤسسة ياد فاشيم هو أمر له مغزى شديد الأهمية بما أن هذا النصب التذكاري يعُد محركًا فعالًا لترسيخ مسألة دعم إسرائيل.

وعبر التركيز بشكل منفرد على شخصية “إيتام”؛ فإن الغضب من تلك المسألة أسفر عن إغفال نقطة أخرى أكثر عُمقًا، فقد باتت ياد فاشيم أداة لتنفيذ أجندة تيار اليمين الإسرائيلي، وفي سبيل ذلك فقد أساءت تلك المؤسسة لذكرى الهولوكوست وأهانت الناجين من تلك المحرقة، وسياسات تخليد الذكرى تتسم بالتعقيد لأن الأحداث التاريخية يمكن استغلالها لتحقيق أهداف شائنة، وحين قامت ألمانيا بتأسيس النصب التذكاري للهولوكوست في برلين كانت هناك نقاشات على صفحات الصحف والأماكن العامة امتدت لسنوات، وعلى جانب تلك البناية في برلين كتب أحد الأشخاص “إن تلك المداولات هي التخليد الحقيقي لتلك الذكرى”.

ومن ثم ماذا يمكن أن تكشف مداولات ياد فاشيم عن وضع إسرائيل؟.

يعيش جوزيف دانا بين جنوب أفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.